كمال بن حسن بن علي اللواتي
من حق أي كاتب أو مُحلل سياسي أن ينتقد سياسات الجمهورية الإسلامية الإيرانية ويخضع تجربتها التي تُقارب نصف قرن للمراجعة والمساءلة. لكن النقد لكي يكون منصفًا وعلميًا، يجب أن يستند إلى قراءة تاريخية مكتملة لا تجتزئ الأحداث ولا تخلط بين الأسباب والنتائج. إن السؤال المحوري الذي طرحه الأستاذ عبد النبي الشعلة في مقاله: "ماذا جنى الشيعة من إيران؟" يعاني من ثغرات منهجية عميقة، تبدأ من نقطة انطلاقه التاريخية، وتنتهي باختزال طائفة واسعة في مشروع سياسي لدولة واحدة.
الثغرة المنهجية: التاريخ أقدم من الثورة
يقع المقال في خطأ منهجي كبير حين يجعل عام 1979 نقطة الصفر لبداية الأزمات السياسية والاجتماعية للشيعة في المنطقة، بينما القراءة المتأنية للتاريخ تؤكد حقائق معاكسة:
فقد مرت الجماعات الشيعية بمراحل متفاوتة من الصراع والملاحقة والتضييق منذ القرون الإسلامية الأولى، وانتقلت بعض هذه الموروثات إلى الدولة الحديثة، هذا أولا.
وثانيا: في فترات مختلفة، حُرم الشيعة من ممارسة شعائرهم الدينية علنًا، أو من تدريس مذهبهم، أو تولي وظائف ذات صلة بالقضاء والتعليم.
وثالثا: وثقت منظمات حقوق الإنسان الدولية أنماطًا متكررة من التمييز في العبادة والتعليم والتوظيف والمشاركة السياسية في عدة دول.
في لبنان، على سبيل المثال، ظهرت حركات تطالب بـ "رفع الحرمان" عن البيئة الشيعية منذ ستينيات القرن الماضي، أي قبل وجود الجمهورية الإسلامية أصلًا.
وفي العراق، واجه الشيعة تهميشًا سياسيًا وضعفًا في التمثيل مقارنة بثقلهم السكاني خلال مراحل الدولة الحديثة، ثم تلاه قمع وحشي وحملات إخفاء وإعدامات طالت الحوزات والعلماء في عهد البعث.
إذا كانت كل هذه الأزمات وحركات "رفع الحرمان" سابقة لعام 1979، فكيف يمكن القول بأن الثورة الإيرانية هي التي صنعت أزمة الشيعة بأثر رجعي؟ التدخل الخارجي لم يخلق المشكلة من العدم، بل استثمر في أرض خصبة صنعتها عقود من الشعور بالتهميش.
مغالطة الأرقام وتجاهل الواقع الاقتصادي والعلمي
طرح المقال مقارنة اقتصادية بين نصيب الفرد في إيران ونصيب الفرد في دول مجلس التعاون الخليجي، وهي مقارنة تفتقر إلى الموضوعية لعدة أسباب:
هذه المقارنة الحسابية تتجاهل الفروق الديموغرافية والجيوسياسية الهائلة بين الجانبين.
إضافة إلى ذلك، فقد تغافلت المقارنة أن إيران خاضت حربًا مدمرة استمرت ثماني سنوات.
كما تجاهلت العقوبات المالية والتجارية والتكنولوجية القاسية التي فُرضت على طهران لعقود طويلة.
ورغم هذه القيود العنيفة، استطاعت إيران بناء قاعدة علمية وتقنية وتعليمية مهمة.
فقد سجل تقرير اليونسكو لعام 2019 ارتفاعًا في المنشورات العلمية الإيرانية إلى أكثر من 60 ألف بحث علمي.
وبرزت إيران في مجالات متقدمة مثل التكنولوجيا الحيوية وتقنية النانو؛ ففي مؤشر الابتكار العالمي لعام 2025 (WIPO)، حلت إيران في المرتبة 70 عالميًا متفوقة في قدرتها على تحويل الموارد المحدودة إلى مخرجات معرفية وتقنية.
إن القراءة الاقتصادية التي تعتمد على الدخل فقط وتحجب التطور التكنولوجي وقدرة الدولة على الصمود المؤسسي هي قراءة متجزئة لا تعكس كامل الحقيقة.
الشيعة العرب: مواطنون لا "ملفات أمنية"
الخطأ الأخطر في طرح الشعلة هو الانزلاق نحو "مأسسة المسألة الشيعية"، أي التعامل مع ملايين المواطنين العرب الشيعة وكأنهم امتداد تلقائي لمشروع دولة أجنبية.
وفاته أن الشيعة ليسوا ملكًا لإيران، ولا توجد وكالة شرعية أو سياسية تمنح طهران حق التحدث باسم كل شيعي في العالم.
لقد أثبت الشيعة في عدة محطات تاريخية وأزمات سياسية ولاءً وطنيًا واسعًا لدولهم، ولم يستجيبوا للدعوات الخارجية للانقلاب على أوطانهم؛ ففي الواقع فإن تحويل مطالبة الشيعي العربي بحقوقه المدنية والدينية إلى قرينة تلقائية على انتمائه للخارج، هو ما يحول المواطن الطبيعي إلى "ملف أمني".
الشيعي العربي، كالسني العربي، هو مواطن في بلده قبل كل شيء. لا يحتاج إلى وصاية من طهران، وفي الوقت ذاته لا يجب أن تُفرض عليه وصاية مضادة تبتزه لتقديم براءة ذمة مستمرة وإثبات وطنيته كل صباح.
الحل الحقيقي: تحصين الداخل بالمواطنة المتساوية
وبدلًا من التركيز حصرًا على تبرير إخفاقات الداخل بإلقاء اللوم على "التدخل الخارجي"، كان الأجدر بالنخب أن تسأل: لماذا وجد هذا التدخل الخارجي أرضية قابلة للاختراق أصلًا؟
والدولة الوطنية القوية ليست شعارًا فارغًا يُطالب فيه المواطن بالولاء من طرف واحد، بل هي عقد اجتماعي متبادل. يقع على عاتق الدولة واجب توفير العدالة والمساواة وصون الكرامة وحرية المعتقد وتكافؤ الفرص لجميع مواطنيها. كيف يمكن مطالبة فئة اجتماعية بالانتماء الكامل لدولة تعاملها بانتماء ناقص أو تغلق أمامها أبواب الوظائف والقرار السياسي بسبب مذهبها؟
إنَّ أقوى حصانة للأوطان ليست في تخويف الناس من الخارج، بل في تجفيف منابع الظلم في الداخل. حين يشعر المواطن أن دولته تحميه وتحترم كرامته وتمثله دون تمييز، فإنه لن يحتاج أبدًا للبحث عن أي سند وراء الحدود.
