ريتّا دار
أعاني، بحسب آخر تشخيص، من الاكتئاب والقلق واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، ولدي بعض آثار صدمات الطفولة، ومشكلات في الالتزام، واضطرابين آخرين لم أحفظ اسميهما بعد.
لا تقلقوا، أنا بخير.
والأهم أنني لم أحتج إلى طبيب، ولا إلى جلسة تقييم، ولا حتى إلى مغادرة سريري. كل ما احتجته كان هاتفًا، واتصالًا جيدًا بالإنترنت، ونصف ساعة على منصات التواصل الاجتماعي.
دخلت إليها إنسانة تظن أنها تعرف نفسها إلى حد معقول، وخرجت منها بحاجة إلى فريق من المختصين.
وكل ذلك بدأ لأنني شاهدت مقطعًا يسألني سؤالًا بسيطًا: «هل تجد صعوبة أحيانًا في التركيز؟»
ومن هنا.. تدهورت حالتي الصحية والنفسية بسرعة.
لا أعرف متى تحولت منصات التواصل الاجتماعي من مكان ندخله لمراسلة أصدقائنا ومتابعة أخبار الدنيا والناس الذين لا نتذكر أصلًا لماذا نتابعهم، إلى عيادة نفسية مفتوحة على مدار الساعة.
لكنني أعرف أن الدخول إليها اليوم والخروج بكامل صحتك النفسية يحتاج إلى شيء من الحظ.
تفتح هاتفك وأنت إنسان عادي، لديك بعض المشكلات التي تليق بإنسان عادي: تؤجل أعمالك، تنسى أين وضعت مفاتيحك، تقلق أحيانًا، تحزن أحيان أخرى، ولا تحب أحدًا قبل فنجان القهوة الأول.
ثم يظهر مقطع: «إذا كنت تبدأ عدة مهام ولا تنهيها، فقد يكون لديك اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه».
لحظة. أنا أفعل ذلك.
المقطع التالي يخبرني أن التفكير الزائد قبل النوم قد يكون علامة على القلق.
ممتاز، هذا أيضًا عندي.
ثم تأتي فتاة بنبرة هادئة لتخبرني أن فقدان الرغبة في التواصل مع الآخرين قد يكون من علامات الاكتئاب.
بعد سبع دقائق فقط، أكون قد دخلت إلى المنصة متعبة قليلًا، وخرجت منها بثلاثة اضطرابات نفسية وصدمتين من الطفولة، وبدأت أشك بعلاقتي بوالدَيّ رغم أنني كنت قد دخلت أساسًا لأشاهد وصفة جديدة للبطاطا المهروسة.
والمشكلة أن الأمر لا يتوقف هنا؛ فمنصات التواصل الاجتماعي لا تحب ترك المريض في منتصف رحلة العلاج.
بمجرد أن تشاهد مقطعًا واحدًا عن تشتت الانتباه حتى تفهم الخوارزمية أنك طلبت تقييمًا نفسيًا شاملًا.
فتأتيك: «سبع علامات خفية لاضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه».
ثم: «علامات الاكتئاب التي لا يعرفها معظم الناس».
ثم: «علامات تظهر لدى النساء تحديدًا».
ثم يظهر شخص ليخبرك أن صعوبة إنجاز المهام المملة قد تكون إحدى العلامات.
وهنا أشعر بالقلق فعلًا.
لأنه إذا كان إنجاز المهام المملة بحماس شرطًا للسلامة النفسية.. فأخشى أن قائمة المصابين أطول بكثير مما كنا نعتقد.
بعد قليل تبدأ مرحلة اكتشاف الذات. وتجد نفسك تقرأ القائمة بجدية أكبر مما ينبغي.
تكره الانتظار؟ مريب.
تبدأ بتنظيف الغرفة فتجد نفسك بعد عشر دقائق ترتب درجًا لم يكن ضمن الخطة؟ يستحق الانتباه.
تدخل غرفة ثم تنسى ماذا كنت تريد أو تفتح الثلاجة دون هدف واضح؟ سجّل هذه أيضًا.
أما إذا فقدت تركيزك أثناء اجتماع استمر ساعة ونصف وكان يمكن اختصاره برسالة من سطرين؟ هذه بالتأكيد علامة.
عند هذه النقطة تحديدًا بدأت أتساءل: ما الأعراض التي تدل على أن الإنسان.. إنسان؟
لأن بعض القوائم أصبحت واسعة إلى درجة أن النجاة منها تحتاج إلى معجزة.
إذا كنت تحب الجلوس وحدك، فهناك تفسير. وإذا كنت لا تحب الجلوس وحدك، فهناك تفسير آخر.
إذا كنت تفكر قبل اتخاذ القرار، فأنت تعاني من التفكير الزائد. وإذا لم تفكر، فأنت مندفع.
إذا أحببت النظام، فقد يكون وراء ذلك شيء. وإذا كانت غرفتك فوضى، اطمئن، لدينا تفسير لذلك أيضًا.
لا توجد إجابة خاطئة في هذا الامتحان. الجميع يفوز بتشخيص.
حتى الحزن، ذلك الشعور البشري القديم الذي كان يزور البشر قبل اختراع الهواتف بآلاف السنين، أصبح يحتاج إلى تدقيق.
لم تعد تستطيع أن تقول: «أنا حزين اليوم».
لا بد أن يأتي أحدهم ليسألك: «هل فكرت أن هذا قد يكون اكتئابًا؟»
ربما. وربما أيضًا أنا حزين لأن يومي كان سيئًا، أو لأنني ببساطة أكره يوم الثلاثاء.
فليس كل صباح لا أرغب فيه بالنهوض من السرير دليلًا على أزمة نفسية. أحيانًا أكون مستيقظة تمامًا، لكنني لم أوافق رسميًا على بدء اليوم بعد. وأحيانًا أحتاج فقط إلى وقت لاستيعاب حقيقة أن عليّ فعل كل هذا مجددًا. وفي أيام أخرى لا تكون لدي مشكلة مع الحياة عمومًا، بل مع توقيتها المبكر جدًا.
وهذه كلها، في رأيي، حجج تستحق الاحترام.
أما القلق، فقد خسر هو الآخر حقه في أن يكون شعورًا عابرًا. ولم يعد يحتاج إلى الكثير لإثبات وجوده أصلًا.
لديك مقابلة عمل غدًا وقلبك ينبض أسرع؟ اشتباه أولي.
تصل إلى المطار قبل الموعد بأربع ساعات بدلًا من ثلاثة لأن فكرة الركض خلف الطائرة لا تناسبك؟ بدأت الأعراض.
أرسلت رسالة مهمة ولم يأت الرد منذ ساعتين وبدأت تتخيل سبعة وثلاثين سيناريو؟ حسنًا، لقد انضممت رسميًا إلى نادي القلق.
وأنا لا أعرف من هو هذا الإنسان السليم نفسيًا الذي يواجه المواقف المقلقة بلا قلق.. لكنني أتمنى أن نتعرف إليه يومًا، فقد يكون أول شخص في التاريخ استطاع إقناع جهازه العصبي بالاستفادة من كتب التنمية البشرية.
والأكثر طرافةً أن قاموس التشخيص لم يعد مقتصرًا علينا. فقد بدأنا نشخّص الآخرين أيضًا.
الشخص الذي يحب الحديث عن نفسه أصبح نرجسيًا.
الشخص الذي لا يرد بسرعة لديه مشكلة في الارتباط العاطفي.
صديقك الذي ألغى موعدًا لأنه متعب لا يضع حدودًا صحية فقط، بل غالبًا هناك طفولة كاملة علينا التحقيق فيها.
أما الشخص الذي اختلف معك، فالوضع أخطر. لم يعد من الممكن أن يكون إنسانًا يملك رأيًا مختلفًا. لا بد أن لديه شيئًا.
نحتاج فقط إلى مشاهدة ثلاثة مقاطع إضافية لمعرفة ما هي علته النفسية.
ومع ذلك، سيكون من الظلم أن نحمّل منصات التواصل الاجتماعي كل الذنب.
فانتشار الحديث عن الصحة النفسية فعل شيئًا مهمًا جدًا: جعل كثيرًا من الناس يتعرفون إلى معاناة حقيقية كانوا يظنون أنها ضعف أو كسل أو مبالغة. وأصبح طلب المساعدة النفسية أقل إحراجًا مما كان عليه، وهذه خطوة تستحق التقدير.
المشكلة تبدأ عندما تتحول التوعية إلى تشخيص.
لأن العرض الواحد لا يصنع اضطرابًا.
التشتت قد يكون جزءًا من اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، لكنه قد يحدث أيضًا لأنك لم تنم جيدًا، أو لأنك مرهق، أو مضغوط، أو لأن هاتف العمل يرسل لك إشعارًا كل ثلاثين ثانية.
والحزن ليس وحده اكتئابًا، كما أن التوتر وحده ليس اضطراب قلق.
التشخيص الحقيقي لا يقوم على مقطع مدته دقيقة يقول لك: «إذا فعلت ثلاثة من هذه الأشياء فأنت على الأغلب... (كذا وكذا)».
الأمر يتعلق بمجموعة أعراض، ومدتها، وشدتها، وتأثيرها في الحياة اليومية، وتاريخ الشخص، وأمور أخرى يعرف المختص كيف يقيّمها.
أما أنا، فلا أعرف كيف تحولت أبسط تصرفاتي إلى ملف طبي كامل.
ربما لأن الإنسان يحب التفسيرات. فمن المريح أن تجد اسمًا واضحًا لشيء يزعجك.
بل أحيانًا يكون الاسم مطمئنًا، لأنه يجعل الفوضى مفهومة.
لكن هناك فرقًا بين أن تساعدنا المعرفة على فهم أنفسنا، وبين أن نعيد تسمية كل صفة وكل شعور وكل يوم سيء بمصطلح نفسي.
أخشى أننا، في محاولتنا الجميلة لتطبيع الاضطرابات النفسية، بالغنا قليلًا، ونسينا أن بعض الأيام السيئة لا تحمل رسائل خفية.. إنها فقط سيئة، وبكل بساطة مستفزة.
فالإنسان يحزن. ويقلق. ويتشتت. ويكسل. وينسى. ويحتاج أحيانًا إلى الابتعاد عن الناس.
وقد يكره الجميع صباح بداية أسبوع العمل دون أن يكون وراء ذلك اضطراب يستحق وصفًا من ثلاثة أسطر.
لهذا وضعت لنفسي قاعدة جديدة: لا أسمح لأي مقطع مدته أربعون ثانية أن يخبرني بما يحدث داخل رأسي. ليس تقليلًا من خبرة صاحبه، لكنني شخصيًا أحتاج وقتًا أطول من ذلك لأقرر ماذا أريد أن أتناول على العشاء.
وإذا كانت هناك أعراض تتكرر فعلًا، وتؤثر في حياتي، فسأذهب إلى مختص. شخص يسألني، ويسمع إجاباتي، ويعرف عني أكثر من حقيقة أنني أفكر كثيرًا قبل النوم أو أن تركيزي يغادرني أحيانًا دون سبب واضح.
الخوارزمية، مع كامل احترامي لجهودها الطبية، هي نفسها التي قررت الأسبوع الماضي، بعد أن شاهدت وصفة واحدة، أنني مهتمة اهتمامًا مصيريًا بصناعة الخبز المنزلي.
فتعلّمت ألّا أثق كثيرًا بتشخيص جهة تعتقد أن مشاهدة مقطعين متتاليين تعني أنني كرّست حياتي للموضوع.
وفي النهاية، أكثر ما أخشاه ليس أن أكتشف أن لدي اضطرابًا نفسيًا، بل أن أقضي حياتي أراقب نفسي بحثًا عن واحد. أن أنسى أن أعيش لأنني مشغولة بتحليل الطريقة التي أعيش بها.
أن يأتي يوم أفتح فيه هاتفي، فأجد مقطعًا بعنوان: «خمس علامات تدل على أنك مهووس بالبحث عن علامات الاضطرابات النفسية.»
سأشاهده طبعًا. وسأكتشف أن العلامات الخمس تنطبق عليّ.
وهكذا سأحصل أخيرًا على التشخيص الوحيد الذي أثق به تمامًا.
لذلك قررت التوقف عن مراقبة كل حركة يقوم بها دماغي وكأنني موظفة في قسم الجودة. سأتركه يقلق، ويتشتت، ويبالغ أحيانًا، وسأتدخل عندما يستحق الأمر فعلًا.
وإلى أن يثبت العكس.. سأفترض أنني بخير. وسأتعامل مع حالتي باعتبارها أثرًا جانبيًا معروفًا ليوم ثلاثاء طويل وممل.
