بين الحد الأدنى والمستوى الأعلى

 

 

 

إسماعيل بن شهاب البلوشي

إلى كل أهلي في عُمان، محبةً واعتزازًا وحرصًا على مستقبل هذا الوطن وأبنائه، أكتب هذه الكلمات راجيًا أن تُقرأ صراحتي في موضعها؛ فهي ليست انتقاصًا من حق أحد، ولا دفاعًا عن طرف على حساب آخر، وإنما محاولة للنظر إلى قضية الأجور من زاوية أوسع، تجمع بين الخبرة والمقارنة وقراءة تجارب المجتمعات، بعيدًا عن العاطفة والشعارات السهلة.

نسمع كثيرًا عن ضرورة رفع الحد الأدنى للأجور، وهو مطلب مفهوم ومشروع، بل يستحق النقاش والدعم؛ فكلفة الحياة ارتفعت، ومتطلبات الأسرة ازدادت، وطموحات الشباب توسعت، وأصبح الاستقرار المالي عنصرًا أساسيًا في طمأنينة الإنسان وقدرته على بناء حياته وتكوين أسرته. ومن الطبيعي أن يتطلع المواطن إلى دخل أفضل ومستوى معيشة أكرم.

لكن ما يستوقفني أن النقاش يكاد ينحصر في الرقم: كم يجب أن يكون الحد الأدنى؟ وكأن القضية مفتاح إداري يحتاج إلى من يديره، أو رقمًا يحتاج إلى قرار فيتغير الواقع تلقائيًا. والحقيقة أن رفع الأجور، وإن كان ضروريًا في أوقات وظروف معينة، لا يصنع وحده اقتصادًا قويًا ولا وظيفة مستقرة، إذا لم ترتفع معه القيمة العملية والإنتاجية للإنسان.

وهنا تكمن المعادلة التي ينبغي أن نفكر فيها بجدية: ليس السؤال فقط كم يجب أن يتقاضى العُماني؟ وإنما أيضًا: كيف نجعل قيمة العُماني في سوق العمل الداخلي والعالمي أعلى؟

هذه المسؤولية لا يتحملها الشاب وحده، ولا الباحث عن عمل وحده، كما لا يجوز تحميلها للحكومة أو صاحب المؤسسة وحدهما. إنها مسؤولية مشتركة تبدأ من ثقافة المجتمع، وتمر بالتعليم والتدريب والتخصص، وتصل إلى المؤسسة وصاحب العمل والتشريعات المنظمة لسوق العمل.

الاقتصاد، في نهاية المطاف، لا يتعامل طويلًا مع الأسماء والشعارات، وإنما مع القيمة. وكما أن الإنسان حين يشتري سلعة ينظر إلى جودتها وقيمتها الحقيقية، فإن صاحب المصنع أو الشركة أو المشروع يبحث كذلك عمن يضيف إلى عمله قيمة حقيقية: معرفةً، ومهارةً، وانضباطًا، وإنتاجًا، وأمانةً، والتزامًا، وقدرةً على تحمل المسؤولية. وهذه ليست نظرة ضد العامل، وإنما طبيعة لا يمكن لأي اقتصاد منتج أن يتجاوزها.

وليس العُماني غريبًا عن ثقافة العمل؛ فتاريخ عُمان لم يُبنَ على الاتكال، وإنما صنعه أناس عملوا في البحر والصحراء والجبل، واشتغلوا بالتجارة والزراعة والصناعة والملاحة، وسافروا إلى مناطق بعيدة، وأقاموا علاقات اقتصادية وحضارية تجاوزت حدودهم الجغرافية. ولم تكن السمعة العُمانية التي عرفتها شعوب كثيرة هدية مجانية، وإنما كانت حصيلة العمل والأمانة والجرأة والانضباط والقدرة على التكيف.

ولهذا فإن أكبر خدمة يمكن أن نقدمها للشباب اليوم ليست أن نقنعهم بأن الوظيفة حق في الراتب فقط، وإنما أن نجعلهم يدركون أن الراتب الأعلى ينبغي أن يقابله مستوى أعلى من المهارة والإنتاجية والمسؤولية. وأن يصبح العامل العُماني مطلوبًا لأنه الأفضل في تخصصه والأكثر التزامًا وإنتاجًا، لا لأن المؤسسة ملزمة بتعيينه فقط.

وفي المقابل، سيكون من الظلم أن نطالب الشاب العُماني بالعطاء، ثم نضعه في بيئة لا تساعده على النجاح. فعلى أصحاب المؤسسات والشركات مسؤولية لا تقل أهمية: توفير بيئة عمل محترمة، وأجر عادل، ومسار مهني واضح، وتدريب حقيقي، وفرص للترقي، ومعايير تحفظ كرامة الموظف. كما لا يصح أن يوضع العُماني في منافسة غير متوازنة مع عمالة وافدة تختلف ظروفها المعيشية والتعاقدية جذريًا، ثم نحكم عليه بالنتيجة وحدها.

إذن نحن أمام طرفين يجب أن يرتفعا معًا: قيمة الوظيفة، وقيمة من يشغلها.

ومن هنا، أرى أن النقاش الوطني لا ينبغي أن يبقى أسير سؤال: متى نرفع الحد الأدنى للأجور؟ بل ينبغي أن نضيف إليه سؤالًا ربما يكون أكثر أهمية للمستقبل: كيف نرفع المستوى الأعلى للموظف العُماني؟ كيف نجعله أكثر تخصصًا وإنتاجًا وانضباطًا؟ وكيف نجعل المؤسسة العُمانية بيئة تستحق هذا الإنسان وتحافظ عليه وتستثمر فيه؟

إن رفع الحد الأدنى بقرار قد يكون ممكنًا في يوم واحد، أما رفع قيمة الإنسان فيحتاج إلى سنوات من التعليم والتدريب والثقافة والانضباط، لكنه أكثر بقاءً وأشد أثرًا. فالأجر الذي تحميه الإنتاجية أقوى من الأجر الذي يحميه القرار وحده.

لسنا بحاجة إلى الاختيار بين راتب عادل وعامل منتج؛ بل إلى الاثنين معًا. نريد للعُماني دخلًا كريمًا يليق بحياته، ونريده في الوقت ذاته قيمةً مهنية لا يستطيع سوق العمل الاستغناء عنها.

وعندما نصل إلى ذلك، لن يكون طموحنا مجرد رفع الحد الأدنى للأجور، بل رفع المستوى الأعلى للإنسان العُماني نفسه؛ علمًا ومهارةً وعطاءً والتزامًا وإنتاجًا. وعندها يصبح الأجر الأعلى نتيجة طبيعية لقيمة أعلى، لا رقمًا ننتظر من أحد أن يكتبه.

الأكثر قراءة

z