حسين الراوي
في لحظة هادئة من يومٍ مثقلٍ بالألم، كانت هذه الحقيبة القماشية البسيطة تقف صامتة، لا تُوحي بشيء، ولا تُعلن عن سرّها. لا لونها لافت، ولا شكلها استثنائي، ومع ذلك فقد كانت – بعد توفيق الله عز وجل – سببًا في تخفيف معاناةٍ لم تُفلح معها الأدوية الحديثة، ولا كثرة المراجعات، ولا تعقيد المصطلحات الطبية.
داخل هذه الحقيبة، لا شيء مما يثير الإعجاب في أعين الناس: عصابة رأس من خام بسيط، وعصا قصيرة لا يتجاوز طولها شبرًا، ووسادة صغيرة بالكاد تُرى. أدواتٌ أقرب إلى العادية، بل إلى التواضع الشديد، لكنها في لحظات الألم كانت أعظم من كثيرٍ مما يُعدّ متقدّمًا ومكلفًا.
حين ترك ابن العم “محمد أبو عبد الله” هذه الحقيبة قبل سفره، لم يكن يُلقي كلماتٍ عابرة، بل كان يودّعها بوصيةٍ تختزن تجربةً صادقة. قال بهدوء الواثق: إن التحسن قد بدأ، وسيزداد إذا استُخدمت هذه الأدوات عند اشتداد الألم. لم يبالغ، ولم يزخرف حديثه، لكنه أصاب كبد الحقيقة.
ومع مرور الأيام، تبيّن أن تلك الكلمات لم تكن مجرد رجاء، بل كانت قراءة دقيقة لحالةٍ أنهكها الصداع، وأرهقها الضوء، وأزعجها أدنى صوت، حتى أصبح التركيز عبئًا، والحركة مجهودًا، والكلام ثقيلاً. في مثل تلك اللحظات، كانت الحقيبة تُفتح، وتُستعاد معها طمأنينة غابت طويلًا، وكأنها تُعيد التوازن لما اختلّ.
إن التجربة هنا لا تدعو إلى رفض العلم، ولا إلى إنكار الطب، فذلك جهلٌ لا يُحمد، ولكنها تُعيد ترتيب الفكرة في أذهاننا: ليس كل نافعٍ معقدًا، ولا كل بسيطٍ عديم القيمة. فكم من وسائل متواضعة تحمل من الفائدة ما لا تحمله أدواتٌ باهظة الثمن، وكم من حلول قريبة أهملناها لأننا اعتدنا أن نبحث بعيدًا.
هذه الحقيبة ليست مجرد قماشٍ يُحمل، بل معنى يُفهم. هي تذكير بأن الشفاء أولًا وأخيرًا من عند الله عز وجل، وأن الأسباب – مهما كانت صغيرة – قد تكون بابًا واسعًا للراحة إذا وُضعت في موضعها الصحيح. وهي أيضًا درس في التواضع: أن لا نُسرف في تعظيم المظاهر، ولا نُقلل من شأن البساطة.
في النهاية، تبقى الصورة أعمق من الحكاية: حقيبة عادية في ظاهرها، لكنها في حقيقتها شاهدٌ على أن الرحمة قد تأتي في أبسط الأشياء، وأن الإنسان، مهما بلغ من العلم، يظل محتاجًا إلى أن يُبقي قلبه مفتوحًا لكل سببٍ نافع، صغيرًا كان أم كبيرًا.
