ليلة واحدة وخبران يُعيدان الأمل

 

 

 

د. عبدالله باحجاج

في ليلة واحدة، وتحديدًا في العاشرة ليلًا من السبت الماضي، تلقيتُ خبرين مُفرحين جدًا عبر الهاتف من مسؤول رفيع المستوى، وفورًا نشرتهما على صفحتي على مواقع التواصل الاجتماعي؛ لما لهما من انعكاسات اجتماعية كبيرة.

الأول: فتح باب التنافس الوظيفي أمام من تجاوزوا سن 40 الى 45 سنة، بعد أن كانت هذه الفئة محرومة من التنافس، رغم أنها لم تحصل على أي فرصة عمل أبدًا. والثاني: التوجُّه نحو توظيف الأشخاص ذوي الإعاقة عبر معرض توظيف استثنائي يُقام في منتصف سبتمبر المقبل. والخبران جديران من حيث الأهمية التواصل في هذا التوقيت من الليل، لكنهما اكبر من تستوعبهما تغريدة آنية، خاصةً عندما فكرت في رسائلهما الإنسانية والوطنية، وأنهما يمكن أن يقودا حالة تعاطف وطنية عامة.

قد يبدو الخبران مختلفين، لكنهما يلتقيان عند معنى واحد، وهو أن الفرصة الوظيفية أو الحق في العمل لا ينبغي أن تغلق في وجه الانسان/ المواطن بسبب رقم في عمره أو بسبب إعاقة في جسده. وننظر الى هذين الخبرين كونهما رسائل اجتماعية مهمة في توقيت مهم، فقد جاءت لتُرسِّخ الأصح، وتُعيد المسار الإنساني لسياقاته الوطنية، فما ذنب مواطن حُرم من فرصة عمل لأنه تجاوز الأربعين؟ وما ذنب اخر حُرم منها لأن لديه إعاقة؟ لذلك فالخبران بمثابة تصحيح مسار في توقيت مناسب.

وستتم إقامة معرض لتوظيف "كُل" ذوي الإعاقة على مستوى السلطنة في هبَّة فلفستها ظفارية- الهبة الظفارية- وهي فلسفة تكافل جامع، وتُعبِّر عن قدرة المجتمع على تحويل التعاطف الى فعل، والتبرع الفردي الى عمل جماعي مُنظَّم، وسيأخذ معرض توظيف ذوي الاحتياجات الخاصة هذه الفلسفة، ويقينًا أن نجاحه مضمون مُسبقًا إذا ما توفرت عوامل نجاحه. ونفس المنوال نتوقع ونرجوه أن يكون في قضية من تجاوز سن 40 الى 45 سنة؛ أي فتح نافذة مباشرة للتوظيف أمام هذه الفئة التي قد تواجه حواجز أكبر في الوصول الى الشركات وأصحاب العمل.

وهنا يأتي دور معرض التوظيف في كسر الحواجز عبر مواجهة مباشرة، يقف المسؤول أمام الموارد البشرية، يتحدث معهم، ويتعرف على قدراتهم وصفاتهم وخبراتهم وظروفهم، وينبغي أن يطلب من شركة في المعرض بالتنسيق مع وزارة العمل ومديرياتها العامة في المحافظات أن تأتي للمعرض بعدد الوظائف والتخصصات المطلوبة والحد الأدنى للأجور وعدد المرشحين المستهدف توظيفهم مباشرة، وهنا يتحول المعرض الى سوق حقيقي له نتائج كبرى، ابرزها استعادة ثقة المواطن من مثل هذه البوابات المهمة.

ونقترح أن يُنقل المعرض/ المعارض تلفزيونيًا مباشرة للرأي العام بهدف أن لا ينحصر المعرض على مكان يلتقي فيه الباحث بصاحب العمل؛ بل المجتمع كله يكون شاهدًا على مثل هذه الملاحم الوطنية. وتصوروا المشهد التلفزيوني وهو ينقل معرض التوظيف وتوقع عقود العمل للمجتمع؛ حيث سيضع النقل التلفزيوني المباشر المؤسسات الحكومية والخاصة والأهلية أمام مسؤوليتها المجتمعية، مع رسائل كثيرة سيبعث بها النقل للحدث أو الحدثين، ومن بينها: رسائل إنسانية بامتياز لكل ذوي الإعاقة ومن تجاوزوا سن الأربعين، وكذلك رسائل وطنية لا توصف لكنها تدرك بكل الحواس، وقد يكون من الاحسن أن يتحدث البث كذلك عن قصص أو نماذج لأشخاص من ذوي الإعاقة اثبتوا جدارتهم على العمل والإنتاج، لتكون قصصهم مصدر إلهام للباحثين وأصحاب العمل معًا، وكذلك نقل توقيع العقود مع الباحثين من تجاوز سن 40، والوطن كله سيكون حاضرًا في ذلك اليوم، ولو من خلف الشاشة، وستتولد حالة وطنية من التعاطف والتأثير والفخر ليس بهم فحسب؛ بل لوزارة العمل ولكل مؤسسة وصاحب عمل يمد يده لمنحة فرصة عمل. وقد تكون لحظة إعلان توظيف أحد المشاركين على الهواء أمام أسرته والمجتمع لحظة إنسانية لا تُنسى، وتعاطف يتلوَّن بلون الوطنية الخالصة. من هنا لا ننظر للنقل المباشر باعتباره تغطية لمعرض التوظيف، بل اعتباره جزءًا من رسالة المعرض وأهدافه، وكذلك طبيعة المرحلة الوطنية الراهنة، نترقب المعرض في منتصف الشهر المقبل، والآخر لمن بلغ سن 40 الى 45 سنة يحدد لاحقًا بشغف كل تلك الرسائل الإنسانية والاجتماعية والوطنية.

وأخيرًا.. كل الشكر والتقدير لمن يقف خلف هذه الخطوات من قبل وزارة العمل؛ فالمراحل الاستثنائية تحتاج فعلًا الى أفكار استثنائية تفتح أبواب الامل أمام من أُغلقت في وجوههم طويلًا، فبلادنا اليوم أمام مرحلة وطنية مختلفة، خاصة بعد ما نجحت الحكومة في تحقيق استقرار أوضاع البلاد المالية؛ لذلك فهي تحتاج الى سياسات استدراكية تعالج آثار المرحلة السابقة، بحيث يكون الاستقرار المالي وسيلة لاستدامة الاستقرار الاجتماعي، مهما كانت التحديات المقبلة.

الأكثر قراءة

z