بلاغة الانطفاء في مواجهة عالمٍ مختلّ القيم

قراءة نقدية في نص «هنالك...» لشيرين النوساني

 

 

 

د. أميمة منير جادو **

 

تمهيد

ينتمي نص «هنالك...» للشاعرة شيرين النوساني إلى الكتابة الشعرية النثرية التي تجعل من التجربة الذاتية نافذةً لرؤية واقع مأزوم، حيث تتقاطع الذات الفردية مع أسئلة الفساد والخوف والصمت وانهيار منظومة القيم. ولا تبدو المتكلمة في النص مجرد ذاتٍ مجروحة تشكو انكسارها، وإنما تتحول تدريجيًا إلى شاهدٍ على عالم فقد توازنه الأخلاقي، حتى يصبح انطفاؤها الشخصي نتيجةً مباشرةً لهذا الاختلال.

ومن هنا فإن العنوان «هنالك...» لا يؤدي وظيفة الإحالة المكانية المباشرة، بل يؤسس منذ البداية لمكان رمزي مجهول الملامح، يمكن أن يكون وطنًا، أو مؤسسة، أو مجتمعًا، أو بيئةً إنسانيةً ضاغطة، أو حتى فضاءً نفسيًا داخليًا. وتأتي علامات الحذف الثلاث بعد «هنالك» لتفتح مساحة من المسكوت عنه، وكأن الشاعرة تقول: هناك مكان لا تريد تسميته، لأن ما يحدث فيه أكبر من أن يُختزل في اسم.

إن النص، في جوهره، يرصد رحلة الذات من المقاومة إلى الانطفاء، ومن الإيمان بالحقيقة إلى محاولة التعايش مع غيابها.

أولًا: العنوان بوصفه عتبةً دلالية

يشكل عنوان «هنالك...» مفتاحًا أساسيًا لفهم النص؛ فـ«هنالك» اسم إشارة للمكان البعيد، لكن المكان هنا لا يمتلك جغرافيا محددة، وهو ما يمنحه طاقة رمزية واسعة. إن الشاعرة لا تقول: «في هذا المكان» أو «هنا»، وإنما تقول: «هنالك»، وكأنها تدفع العالم الموصوف إلى مسافة نفسية وأخلاقية بينها وبينه. أما الحذف في «...» فيحمل وظيفة إيحائية واضحة؛ إذ يوحي بأن ما يوجد «هنالك» كثير وممتد، وأن اللغة تعجز أو تتعمد ألا تستنفده بالقول.

واللافت أن العنوان يتكرر داخل النص: «هنالك...» ليتحول من عنوان إلى لازمة بنائية، ومن كلمة مكانية إلى إطار يضم كل مقطع من مقاطع التجربة. وهكذا يصبح «هنالك» فضاءً رمزيًا للفساد والخوف، ثم للأقنعة، ثم لليأس، ثم لما تسميه الشاعرة في النهاية «ممالك الشيطان».

ثانيًا: البنية الدائرية وتحولات «هنالك»

يقوم النص على بناء مقطعي واضح، تتكرر فيه اللازمة: هنالك...

وتأتي بعدها في كل مرة صورة جديدة من صور الانهيار:

«حيثُ يُتوَّجُ الفسادُ إكليلًا»

«حيثُ تُوزَّعُ الأقنعةُ»

«حيثُ يُصلبُ الأملُ»

«في ممالكِ الشيطان»

وهذا التدرج ليس تكرارًا آليًا، وإنما يشبه النزول التدريجي في طبقات العتمة.

في البداية نجد فسادًا وصمتًا وخوفًا. ثم ننتقل إلى الأقنعة وبيع الضمير وانقلاب الفضيلة والرذيلة. ثم يصل الانهيار إلى الأمل والأحلام والخيانة.

وأخيرًا تبلغ التجربة ذروتها في «ممالك الشيطان»، حيث لا يعود الصراع مع حالة جزئية، بل مع منظومة كاملة تبدو الذات عاجزة أمامها.

إذن يمكن قراءة البنية بوصفها حركة: فساد؛ خوف؛ قناع؛ سقوط القيم؛ يأس؛ خيانة؛ انسحاب.

وهذا يمنح النص وحدة عضوية تتجاوز تجاور الخواطر.

ثالثًا: المفارقة بين التتويج والفساد

من أكثر الصور دلالة في النص قول الشاعرة: «حيثُ يُتوَّجُ الفسادُ إكليلًا»

فعل «يُتوَّج» يرتبط عادةً بالملك أو التكريم أو الانتصار، بينما «الفساد» يمثل نقيض الاستحقاق الأخلاقي. ومن هنا تنشأ المفارقة.

إن الشاعرة لا تقول فقط إن الفساد موجود، وإنما تقول إن الفساد يُكافأ ويُحتفى به.

وتتكرر آلية المفارقة في: «وتصبحُ الفضيلةُ عيبًا، والرذيلةُ فخرًا يُتغنَّى به».

وهنا يصل انقلاب القيم إلى ذروته؛ فالمشكلة ليست في وجود الشر وحده، وإنما في إعادة تعريف الخير والشر داخل المجتمع.

وهذه نقطة جوهرية في الرؤية النقدية للنص؛ لأن الشاعرة ترصد فسادًا لا يقتصر على السلوك، بل يمتد إلى الوعي الجمعي نفسه.

رابعًا: الذات المكسورة في مواجهة الواقع

تدخل الذات إلى النص بقوة في: «وقفتُ وحدي... وانكسرَ في قلبي ساقُ الطموح». والصورة هنا تقوم على تشخيص الطموح وتحويله إلى كائن له «ساق» يمكن أن تنكسر. ولا تكتفي الشاعرة بقول «فقدت طموحي»، وإنما تمنح الطموح جسدًا، ثم توقع عليه فعل الانكسار.

بعد ذلك يتصاعد الانهيار: «والروحُ تعافُ النهوض، والجسدُ يثقلُ عليه ظلُّه»؛ فالانهيار هنا يشمل مستويات الذات الثلاثة: الطموح؛ الروح؛ الجسد. وبذلك يتحول القهر الخارجي إلى أثر داخلي، حتى يصبح الجسد نفسه عاجزًا عن حمل ظله. وهذه من أجمل الصور في النص؛ لأنها تنقل الحالة النفسية من التقرير المباشر إلى التجسيد الشعري.

خامسًا: من «الصوت» إلى «الرماد»

من المحاور المركزية في النص محور الصوت: «صوتُ الحقيقةِ، الذي كان يزلزلُ أركانَ الباطل، صار رمادًا يتساقطُ صامتًا».

هنا تقيم الشاعرة مقابلة بين الماضي والحاضر: كان يزلزل؛ صار رمادًا.

والمفارقة أن الصوت، وهو رمز للحياة والمقاومة والحضور، يتحول إلى «رماد»، وهو رمز لما بعد الاحتراق. والأهم أن الرماد لا يسقط صاخبًا، وإنما: «يتساقطُ صامتًا»

فتعود ثنائية الصوت/الصمت التي افتتح بها النص: «والصمتُ شريعةٌ لا تُنتهك»

وكأن النص يبدأ بالصمت بوصفه قانونًا خارجيًا، وينتهي بتحول صوت الحقيقة نفسه إلى صمت داخلي.

وهنا تكمن إحدى أهم البنى الدلالية في النص.

سادسًا: معجم القناع والضمير

في المقطع: «حيثُ تُوزَّعُ الأقنعةُ على وجوهٍ بلا ملامح، ويُباعُ الضميرُ في سوقِ الرخيص» تستخدم الشاعرة معجمًا أخلاقيًا واضحًا: الأقنعة – الضمير – الفضيلة – الرذيلة – الخيانة.

والقناع هنا ليس مجرد رمز للنفاق؛ لأنه يُوضع على «وجوه بلا ملامح». وهذه إضافة مهمة؛ فالإنسان الذي فقد ملامحه الداخلية لم يعد بحاجة إلى قناع فقط، بل أصبح قناعًا فوق قناع.

أما عبارة: «يُباعُ الضميرُ في سوقِ الرخيص»؛ فتقوم على تحويل الضمير إلى سلعة، وهو ما يعمق فكرة انهيار القيمة الإنسانية.

ويمكن القول إن الشاعرة تبني جزءًا كبيرًا من النص على اقتصاد رمزي للفساد: هناك بيع، وتوزيع، وتكريم، وفخر؛ أي أن منظومة الانحراف أصبحت ذات آليات وممارسات وقواعد.

سابعًا: الصورة الشعرية بين الجمر والرماد والظلام

يمتلئ النص بعناصر النار والعتمة: جمر – لهب – لظى – رماد – ظلام.

وهذه المفردات ليست متفرقة، وإنما تنتمي إلى حقل دلالي واحد.

فالذات: «كمن يمشي على جمرٍ».

والحقد: «يستعر» و«لظى سواد نفوسهم» يزداد «اتقادًا».

ثم يأتي: «الرماد».

وأخيرًا: «الظلام».

وكأن التجربة تمر بمراحل النار: اشتعال؛ احتراق؛ رماد؛ ظلام.

وهذه الحركة تكشف أن النص لا يرصد فقط انطفاء الذات، بل يرسم فيزياء رمزية للانطفاء.

ثامنًا: الأمل بوصفه كائنًا مقتولًا

من أكثر الصور كثافة: «حيثُ يُصلبُ الأملُ على أبوابِ اليأس»

ثم: «وتُدفنُ الأحلامُ في مقابرِ الواقع»

هنا تتوالى أفعال عنيفة: يُصلب – تُدفن – تُقام النصب التذكارية.

وبذلك يتحول الأمل من معنى مجرد إلى كائن يتعرض للقتل، بينما تتحول الأحلام إلى موتى، ويصبح الواقع مقبرة.

إنها كتابة تقوم على تَشْيِيء المعاني وتجسيدها؛ فالفضيلة، والضمير، والأمل، والأحلام، والحقيقة، كلها تتحول إلى كائنات يمكن أن تُباع أو تُصلب أو تُدفن أو تحترق.

وهذا يمنح النص قدرًا من الوحدة التصويرية.

تاسعًا: الوحدة بوصفها حضورًا لا غيابًا

يصل النص إلى واحدة من أكثر جمله نضجًا: «أيقنتُ أنَّ الوحدةَ ليستْ غيابَ الناس، بل حضورُهم وهم أشباح».

هذه الجملة تنقل النص من مستوى الاحتجاج الاجتماعي إلى مستوى التأمل الفلسفي؛ فالوحدة هنا لا تُقاس بعدد الموجودين، وإنما بغياب التواصل الحقيقي والإنسانية الحقيقية.

والتعبير: «حضورهم وهم أشباح» يختصر مأساة عالم ممتلئ بالبشر لكنه فارغ من العلاقات الحقيقية. وهنا يصبح «الشبح» نقيض الإنسان: وجود جسدي بلا حضور روحي.

عاشرًا: مفارقة الرغبة

تقول الشاعرة:

«وأنَّ الرغبةَ ليست فعلَ الشوق،

بل جمرةٌ تحتَ الرماد؛

إن أيقظتَها أوجعت،

وإن أهملتَها خمدت».

وهذا المقطع من أكثر مقاطع النص اقترابًا من التأمل الوجداني. فالرغبة لا تختفي، لكنها تتحول إلى جمرة كامنة. والمفارقة هنا أن إيقاظها لا يؤدي بالضرورة إلى الحياة، بل إلى الألم: الإيقاظ = وجع. الإهمال = خمود.

وهكذا تصبح الذات محاصرة بين خيارين كلاهما مؤلم: أن تستعيد رغبتها فتتألم، أو تقمعها فتخمد.

وهذا ينسجم مع المسار العام للنص الذي يجعل الانطفاء نوعًا من الدفاع النفسي أمام عالم مؤلم.

حادي عشر: الإيقاع الداخلي

لا يعتمد النص على الوزن الخليلي، وإنما على الإيقاع الداخلي الناتج من التكرار والتوازي والجمل القصيرة.

ويتجلى ذلك في:

«أن أمضيَ دونَ أن ألتفت،

وأنسى دونَ أن أتذكَّر،

وأعيشَ كأنَّ الحقيقةَ

لم تكن يومًا...

ولن تكون».

والتوازي بين (أمضي / أنسى / أعيش) يمنح الخاتمة إيقاعًا تصاعديًا. كما أن تكرار «هنالك» يؤدي وظيفة موسيقية شبيهة باللازمة في القصيدة الغنائية، لكنه في الوقت نفسه يربط المقاطع دلاليًا.

ثاني عشر: المفارقة في الخاتمة

تبدو النهاية للوهلة الأولى وكأنها إعلان انتصار: «لم يبقَ لي من النصرِ إلا أن أمضيَ دونَ أن ألتفت»، لكن كلمة «النصر» هنا ملتبسة عمدًا.

فهل الانسحاب نصر؟ إنه نصر من زاوية النجاة من المكان المسموم، لكنه هزيمة من زاوية التنازل عن مواجهة الواقع.

ولهذا تأتي العبارة: «وأعيشَ كأنَّ الحقيقةَ لم تكن يومًا... ولن تكون».

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: الذات التي بدأت بإيمان قوي بـ«صوت الحقيقة» تنتهي إلى محاولة العيش كما لو أن الحقيقة غير موجودة.

وهذا يمنح النهاية بعدًا مأساويًا؛ فالذات لم تهزم الحقيقة، وإنما هزمتها قدرتها على الاحتمال.

ثالث عشر: الرؤية النفسية

يمكن قراءة النص نفسيًا بوصفه مسارًا من الإحباط إلى الانسحاب؛ فالمراحل واضحة:

مواجهة الواقع.

الإحساس بالعزلة.

فقدان الطموح.

إنهاك الروح والجسد.

انطفاء الصوت.

فقدان الأمل.

إعادة تعريف الوحدة والرغبة.

اختيار الرحيل النفسي.

ومن هنا لا يبدو الانطفاء حالة مفاجئة، بل نتيجة تراكمية؛ فالذات لم تستسلم منذ البداية؛ لقد كان لديها «صوت حقيقة» قادر على «زلزلة أركان الباطل»، لكنها استُنزفت تدريجيًا حتى تحول الصوت إلى رماد.

رابع عشر: البعد الاجتماعي والأخلاقي

لا يمكن حصر النص في التجربة الشخصية؛ لأن مفرداته تتجاوز الفرد إلى بنية اجتماعية كاملة:

الفساد – الصمت – الخوف – الأقنعة – الضمير – الفضيلة – الرذيلة – الخيانة.

إن الشاعرة تنطلق من ذاتها، لكنها تتحدث عن أزمة قيم.

واللافت أنها لا تحدد أسماء أو وقائع أو مؤسسات، وهو ما يجعل النص أكثر عمومية وتأويلًا. فـ«هنالك» يمكن أن تكون أي مكان تتقدم فيه المصلحة على النزاهة، والخوف على الحقيقة، والقناع على الوجه.

وهنا يكتسب النص بعدًا احتجاجيًا دون أن يتحول إلى خطاب سياسي مباشر.

خامس عشر: جماليات التكرار

التكرار في النص ليس حشوًا؛ فـ«هنالك» تؤدي ثلاث وظائف:

وظيفة مكانية: تحدد فضاءً غامضًا.

وظيفة إيقاعية: تمنح النص لازمة متكررة.

وظيفة نفسية: تعيد الذات في كل مرة إلى المكان نفسه الذي تحاول الهرب منه.

ومن ثم فإن المفارقة أن الشاعرة تقول «هنالك» وكأنها تشير إلى مكان بعيد، لكنها في كل عودة إلى الكلمة تكشف أن هذا المكان ما زال حاضرًا داخلها.

سادس عشر: اللغة والأسلوب

لغة النص فصيحة، مباشرة، ذات حمولة وجدانية عالية، وتقوم على كثافة الألفاظ الرمزية.

وتتميز الجمل في معظمها بالوضوح، مع توظيف ملحوظ للتشخيص والاستعارة، مثل:

«ساق الطموح»

«الجسد يثقل عليه ظله»

«صوت الحقيقة صار رمادًا»

«يصلب الأمل»

«تدفن الأحلام»

«الرغبة جمرة تحت الرماد».

وهذه الصور هي التي تمنح النص شعريته، لأن كثيرًا من جمله ذات طبيعة تقريرية، بينما تأتي الصورة لتمنحها بعدًا إيحائيًا.

خاتمة نقدية

إن «هنالك...» نص يقوم على مأساة ذاتٍ كانت تؤمن بالكلمة والحقيقة، ثم وجدت نفسها في فضاء أخلاقي مقلوب، حيث يُكرَّم الفساد، ويُعاقب الصدق، وتُرتدى الأقنعة، ويُباع الضمير، وتصبح الفضيلة موضعًا للاتهام.

وقد نجحت شيرين النوساني في تحويل هذه التجربة إلى بناء شعري متماسك عبر لَازِمة «هنالك»، التي تحولت من مجرد اسم مكان إلى فضاء رمزي للاغتراب والقهر وانقلاب القيم.

والقيمة الأبرز في النص أنه لا يقدم الهزيمة باعتبارها سقوطًا مفاجئًا، بل باعتبارها احتراقًا بطيئًا للذات: يبدأ بانكسار الطموح، ثم يتحول إلى عزوف الروح، ثم خرس الصوت، ثم موت الأمل، وصولًا إلى قرار الرحيل. لكن المفارقة الأشد مرارة أن الشاعرة، في النهاية، لا تتخلى عن الحقيقة لأنها اكتشفت زيفها، وإنما لأنها أُنهكت من الدفاع عنها.

ومن هنا فإن «النصر» الذي تعلنه الذات في الخاتمة ليس نصرًا على الواقع، وإنما نصرٌ هشّ للذات على جرحها؛ إنها تنجو، لكنها لا تنتصر تمامًا.

ولعل أجمل ما يمكن أن يختصر الرؤية الكلية للنص هو أن «هنالك» ليست مكانًا خارج الذات، بل مكانٌ استقر في داخلها؛ ولهذا فإن الرحيل عنه لا يعني بالضرورة الخلاص منه. وهنا تتجاوز الكتابة حدود الشكوى إلى سؤال أعمق: ماذا يحدث للإنسان حين يظل صادقًا في عالم يعاقب الصدق؟

ذلك هو السؤال الذي يتركه نص شيرين النوساني مفتوحًا بعد آخر سطر، ويمنح التجربة قيمتها الإنسانية والنقدية.

───

ملحق نص القصيدة

هنالك...

بقلم: شيرين النوساني

هنالك...

حيثُ يُتوَّجُ الفسادُ إكليلًا،

والصمتُ شريعةٌ لا تُنتهك،

والخوفُ يُلقي بظلالِه على كلِّ نبضٍ صادق،

وقفتُ وحدي...

وانكسرَ في قلبي ساقُ الطموح،

والروحُ تعافُ النهوض،

والجسدُ يثقلُ عليه ظلُّه،

لا رغبةَ له في اعتلاءِ منبر،

ولا شهوةَ في أن أكونَ صوتًا بين أصواتٍ تتلاشى.

صوتُ الحقيقةِ، الذي كان يزلزلُ أركانَ الباطل،

صار رمادًا يتساقطُ صامتًا،

ولهيبُ حقدِهم يستعر،

ولظى سوادِ نفوسِهم يزدادُ اتقادًا.

هنالك...

حيثُ تُوزَّعُ الأقنعةُ على وجوهٍ بلا ملامح،

ويُباعُ الضميرُ في سوقِ الرخيص،

وتصبحُ الفضيلةُ عيبًا،

والرذيلةُ فخرًا يُتغنَّى به.

أصبحتُ كمن يمشي على جمرٍ،

لا يجدُ موطئًا لقدمه،

ولا يرى في الأفقِ نجمةً تهديه.

تاهتِ الكلماتُ في حلقي،

واختنقَ الصوتُ قبلَ أن يولد،

فلم يبقَ لي إلا أن أُغمضَ عينيَّ،

وأدعَ الظلامَ يحتضنُ بقايا حلمٍ ماتَ دونَ جنازة.

 

هنالك...

حيثُ يُصلبُ الأملُ على أبوابِ اليأس،

وتُدفنُ الأحلامُ في مقابرِ الواقع،

وتُقامُ النُّصبُ التذكاريةُ للخيانة،

أيقنتُ أنَّ الوحدةَ ليستْ غيابَ الناس،

بل حضورُهم وهم أشباح،

وأنَّ الرغبةَ ليست فعلَ الشوق،

بل جمرةٌ تحتَ الرماد؛

إن أيقظتَها أوجعت،

وإن أهملتَها خمدت.

هنالك...

في ممالكِ الشيطان،

لم يبقَ لي من النصرِ إلا أن

أمضيَ دونَ أن ألتفت،

وأنسى دونَ أن أتذكَّر،

وأعيشَ كأنَّ الحقيقةَ

لم تكن يومًا...

ولن تكون.

*********

** الدكتورة أميمة منير جادو، باحثة أكاديمية بالمركز القومي للبحوث التربوية بجمهورية مصر العربية، وأستاذة جامعية سابقة (بجامعتي رفحاء ونجران بالمملكة العربية السعودية)، وعضو باتحاد الكتاب المصري. تمتد خبراتها بين البحث التربوي والإبداع الأدبي، حاصلة على المركز الأول في جائزة إحسان عبد القدوس للنقد الأدبي (2009)، وجائزة الثقافة المركزية عن دراساتها النقدية (2019). لها إصدارات متنوعة بين الرواية ("اغتيال أستاذة"، "عاش في وجداني"، "لن أخون أبدًا") والدراسات النقدية والتربوية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z