أحمد الفقيه العجيلي
ليست كل المدن التي تتصدر المشهد السياحي هي الأكثر جمالًا، ولا كل الأماكن التي تستقطب ملايين الزوار تمتلك أفضل المقومات الطبيعية.
فالواقع يثبت أن كثيرًا من المدن صنعت مكانتها العالمية لأنها نجحت في بناء قصة تتجدد كل عام؛ قصة تنتظرها وسائل الإعلام، ويتطلع إليها الزوار، وتستعد لها المؤسسات والقطاعات الاقتصادية قبل أشهر من انطلاقها. أما ظفار، فقد منحها الله قصة بدأت بالطبيعة.
ففي كل صيف، تتبدل ملامح المكان، وتكتسي الجبال والسهول بالخضرة، ويجتمع الضباب والمطر في مشهد نادر على مستوى المنطقة، حتى أصبح خريف ظفار موسمًا استثنائيًا ينتظره مئات الآلاف من الزوار عامًا بعد عام.
وقد تناولتُ في مقال سابق فكرة أن يتحول خريف ظفار من موسم يزدهر لعدة أشهر إلى اقتصاد يمتد أثره طوال العام.
لكن تلك الفكرة قادتني إلى سؤال آخر لا يقل أهمية: كيف يمكن لهذا الموسم أن يتحول من وجهة يقصدها الزوار إلى حدث ينتظره العالم؟ قد يبدو السؤال طموحًا، لكنه ليس بعيدًا عن الواقع.
فالسنوات الأخيرة أثبتت أن الدول لم تعد تتنافس على امتلاك المقومات وحدها، بل على قدرتها على تحويل تلك المقومات إلى تجارب تبقى في الذاكرة.
وكثير من المدن لم تصنع شهرتها لأنها الأجمل، وإنما لأنها منحت الزائر سببًا جديدًا للعودة في كل مرة. وظفار لا ينقصها السبب الأول.
فقد وهبها الله طبيعة يصعب أن تجد لها مثيلًا في المنطقة، لكن الطبيعة، مهما بلغت فرادتها، تظل بداية الحكاية، وليست الحكاية كلها.
لذلك ربما حان الوقت لأن ننظر إلى خريف ظفار بطريقة مختلفة؛ لا باعتباره موسمًا سياحيًا فحسب، بل باعتباره منصة يمكن أن يلتقي فيها العالم على أرض عُمان.
تخيل أن يبدأ الزائر يومه بين رائحة اللبان التي تعبق بها الأسواق، ثم ينتقل بعد خطوات إلى أجنحة تستضيف دولًا تعرض ثقافاتها، وحرفها التقليدية، ومأكولاتها، وفنونها الشعبية، في تجربة تثري الموسم وتمنحه بُعدًا عالميًا، قبل أن يحضر في المساء عرضًا سينمائيًا في الهواء الطلق، أو معرضًا دوليًا للتصوير، أو أمسية ثقافية تجمع مبدعين من بلدان متعددة.
وتخيل أن تصبح أيام الخريف موعدًا لملتقيات فكرية، ومؤتمرات علمية، ومنتديات اقتصادية وسياحية، وبطولات رياضية، تستفيد من الأجواء الفريدة التي تتميز بها المحافظة، فتجذب فئات جديدة من الزوار، وتمنح الموسم أبعادًا تتجاوز السياحة التقليدية.
لقد أثبتت تجارب عديدة في المنطقة والعالم أن الأحداث الثقافية والفنية والرياضية الكبرى أصبحت جزءًا من صناعة المكان.
فالمهرجانات السينمائية، والأسابيع الثقافية، والمواسم التي تستضيف ثقافات متعددة، لم تعد مجرد أنشطة ترفيهية، بل أدوات فاعلة في بناء السمعة، وتحريك الاقتصاد، وتعزيز الحضور الإعلامي.
وليس بعيدًا عنا ما نشهده في بعض المواسم الإقليمية التي نجحت في استضافة دول مختلفة لتقديم ثقافاتها ومنتجاتها وفنونها في مكان واحد، فحوّلت الزيارة إلى تجربة إنسانية وثقافية متكاملة، لا تقتصر على الترفيه وحده.
فالوجهات السياحية الناجحة لا تراهن على حدث عابر، بل تنجح في صناعة موعد سنوي ينتظره الناس.
وحين يتحول الموسم إلى موعد سنوي ثابت في خطط الأسر والمسافرين والشركات، يبدأ الاستعداد له قبل أشهر، وتبني شركات الطيران والفنادق والأسواق خططها على أساسه.
وهنا لا يقتصر أثر الموسم على أيام انعقاده، بل يصبح محركًا لدورة اقتصادية تتجدد عامًا بعد عام.
وليس المقصود أن تتحول ظفار إلى نسخة من أي تجربة أخرى، فلكل مكان شخصيته وروحه.
وإنما أن تستفيد من هذه الأفكار، ثم تعيد تقديمها بروحها العُمانية وهويتها الظفارية، بحيث تبقى الطبيعة هي البطل الرئيس، بينما تضيف الثقافة والإبداع والفعاليات أبعادًا جديدة إلى التجربة.
فالناس قد يسافرون من أجل الطبيعة، لكنهم يعودون مرة أخرى من أجل التجربة.
وهذه التجربة لا تصنعها الجبال والضباب وحدهما، بل تصنعها الفعاليات، والثقافة، وحسن التنظيم، وكرم الإنسان، وكل تفصيلة جميلة تبقى في الذاكرة بعد انتهاء الرحلة.
وحينها لن يأتي الناس إلى ظفار من أجل الخضرة فقط، بل من أجل التجربة التي لا يجدونها في مكان آخر.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن مثل هذا التوجه لا يقتصر أثره على زيادة أعداد الزوار، بل يمتد إلى إطالة مدة إقامتهم، ورفع مستوى الإنفاق السياحي، وفتح مجالات جديدة للاستثمار، وتنشيط عمل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وخلق فرص أوسع للشباب في مجالات التنظيم والإدارة والخدمات المساندة.
ويبقى الإنسان هو العنصر الذي يمنح كل ذلك روحه.
فكثير ممن زاروا ظفار لا يتحدثون عن جمال الطبيعة فحسب، بل يستعيدون أيضًا ما وجدوه من كرم الضيافة، وبساطة التعامل، والألفة التي يشعر بها الزائر منذ لحظة وصوله.
وهذه قيمة لا تُشترى بالاستثمارات، لكنها تحتاج إلى المحافظة عليها وتعزيزها، لأنها جزء أصيل من هوية ظفار، وعنصر لا يقل أهمية عن أي مشروع أو فعالية.
كما أن بناء حدث ينتظره الناس كل عام يمنح المحافظة حضورًا يتجاوز حدود الموسم نفسه.
فالأثر الحقيقي لا يُقاس بعدد الأيام التي تُقام فيها الفعاليات، بل بما تتركه من صورة ذهنية تستمر طوال العام، وتجعل اسم ظفار حاضرًا في وسائل الإعلام، ومنصات التواصل، وأحاديث المسافرين.
ويبقى نجاح هذه الرؤية مرتبطًا بعمل طويل النفس، تشارك فيه الجهات الحكومية، والقطاع الخاص، والمجتمع المحلي.
فالأحداث الكبرى لا تولد مكتملة، وإنما تنمو عامًا بعد عام، وتتعلم من تجاربها، حتى تصبح جزءًا من هوية المكان.
فالطبيعة تمنح المكان فرصة، أما الإنسان فهو من يحولها إلى قصة تستحق أن تُروى.
لقد منحت الطبيعة ظفار بداية القصة، لكن كتابة الفصول التالية تبقى مسؤولية الإنسان. فالمكان الجميل قد يجذب الزائر مرة، أما الفكرة المبتكرة، والحدث الذي ينتظره الناس كل عام، فهما اللذان يصنعان الحضور الدائم.
وعندها لن يكون خريف ظفار مجرد موسم ناجح، بل نافذة تطل منها عُمان على العالم، ويطل العالم منها على عُمان؛ قصة تتجدد كل عام، وتجربة يتطلع الناس إلى عيشها مرة بعد أخرى.
غير أن الوصول إلى هذه الغاية لا يقتصر على إطلاق المبادرات والفعاليات، بل يتطلب أيضًا المحافظة على المقومات الطبيعية التي صنعت تميز ظفار منذ البداية، حتى يبقى الجمال الذي جاء الناس من أجله حاضرًا للأجيال القادمة.
