خريف ظفار... الوجهة التي يعشقها أهل الخليج

 

 

حمود بن علي الطوقي

ليست كل المدن تُزار، فبعضها يُسكن القلب قبل أن تطأه الأقدام. ومحافظة ظفار كانت بالنسبة لي، منذ أكثر من ثلاثة عقود، أكثر من محطة صحفية أو وجهة سياحية؛ كانت موعدًا سنويًا يتجدد مع الجمال، ودرسًا متجددًا في قدرة الطبيعة على أن تصنع الدهشة، وفي قدرة الإنسان العُماني على أن يحول تلك الدهشة إلى قصة نجاح وطنية.

منذ زيارتي الأولى لصلالة، أدركت أنني أمام مكان مختلف. ففي الوقت الذي كانت فيه حرارة الصيف تلف معظم مدن المنطقة، كانت ظفار ترتدي ثوبًا أخضر، وتعانق الضباب قمم جبالها، وتتراقص قطرات الرذاذ على أوراق الأشجار، وكأن الطبيعة اختارت هذه البقعة المباركة لتكتب فيها أجمل قصائدها.

وعلى امتداد أكثر من ثلاثين عامًا، حرصت على أن أكون حاضرًا في محافظة ظفار خلال موسمها السياحي، لا بصفتي سائحًا فحسب، وإنما صحفيًا يحمل رسالة، يوثق التحولات، ويرصد الإنجازات، وينقل للقراء جمال المكان، ويكتب عن الإنسان الذي صنع مع الطبيعة لوحة لا مثيل لها.

وخلال تلك السنوات، رأيت بأم عيني كيف كانت الخطى تتسارع عامًا بعد عام، وكيف تطورت المحافظة بصورة لافتة، حتى أصبحت صلالة اليوم واحدة من أشهر الوجهات السياحية في المنطقة، وتحظى بسمعة عالمية باعتبارها وجهة سياحية فريدة تتميز بمناخ استثنائي، وطبيعة آسرة، وخدمات متطورة، وتجربة سياحية متكاملة.

ولم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل جاء ثمرة رؤية واضحة، وعمل دؤوب، وتكامل بين مختلف مؤسسات الدولة، وإيمان راسخ بأن السياحة أصبحت أحد الروافد المهمة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في سلطنة عُمان.

ومن الإنصاف أن يُقال إن ما تشهده المحافظة اليوم من نجاح لافت في إدارة الموسم السياحي يعكس حجم التكامل بين مختلف المؤسسات الحكومية. ويبرز في هذا الجانب الدور الذي يقوم به مكتب محافظ ظفار، بالتنسيق والتعاون الوثيق مع مكتب رئيس بلدية ظفار، في الإشراف على الموسم وتطوير خدماته، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على جودة الخدمات المقدمة للزوار، وعلى جاهزية المرافق العامة، وتنظيم الحركة، وتوفير بيئة سياحية متكاملة تلبي احتياجات السائح منذ لحظة وصوله وحتى مغادرته.

وقد نجحت هذه الجهود في توفير مختلف الخدمات الأساسية، والارتقاء بالمواقع السياحية، وتطوير الحدائق والمتنزهات، وتنظيم الفعاليات، بما يعزز من راحة الزائر ويمنحه تجربة سياحية راقية تليق بالمكانة التي وصلت إليها محافظة ظفار. ولم يعد خريف ظفار مقصدًا لأبناء سلطنة عُمان فحسب، بل أصبح محطة سنوية للأشقاء من دول مجلس التعاون الخليجي، وللسياح القادمين من مختلف أنحاء العالم، الذين يقصدون صلالة للاستمتاع بمناخها الفريد، وجمالها الطبيعي، وكرم أهلها.

غير أن سر نجاح ظفار لا يكمن في الطبيعة وحدها، بل في الإنسان الظفاري الذي جعل من حسن الضيافة ثقافة متوارثة، ومن الابتسامة رسالة ترحيب لا تحتاج إلى ترجمة. فمنذ اللحظة الأولى يشعر الزائر أنه بين أهله، وأن هذه المحافظة تستقبله بمحبة صادقة قبل أن تستقبله بخدماتها.

ويحرص أبناء المحافظة، إلى جانب الجهات المنظمة، على تنظيم باقة متنوعة من الفعاليات التراثية والثقافية التي تعرّف الزائر بالموروث الحضاري الذي تزخر به ظفار. فمن الفنون الشعبية، والأهازيج التقليدية، والحرف اليدوية، والأسواق التراثية، إلى الأزياء العُمانية، والأكلات المحلية، ومعارض اللبان والبخور، يعيش السائح تجربة ثقافية متكاملة، يكتشف من خلالها تاريخ هذه الأرض العريقة، وثراء هويتها، وأصالة مجتمعها.

وخلال رحلاتي المتكررة إلى محافظة ظفار، كنت ألاحظ كيف تحولت التغطية الإعلامية للموسم من مجرد نقل للأحداث إلى نافذة عالمية تُعرّف العالم بما تمتلكه سلطنة عُمان من مقومات سياحية فريدة. واليوم، ومع الحضور المتنامي للإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، أصبحت صور خريف ظفار ومقاطعه المصورة تصل إلى ملايين المتابعين، لتسهم في تعزيز مكانة المحافظة على خارطة السياحة العالمية.

لقد أصبح خريف ظفار أكثر من موسم سياحي؛ إنه قصة نجاح عُمانية ملهمة، تؤكد أن الاستثمار في الإنسان والمكان، والعمل بروح الفريق، والحفاظ على الهوية الثقافية، هي مفاتيح صناعة وجهة سياحية عالمية. وستبقى ظفار عنوانًا للجمال، وملتقىً للمحبة، وواجهةً مشرقةً تعكس ما تتميز به سلطنة عُمان من أمن واستقرار وأصالة وكرم ضيافة.

وها أنا أعود إلى صلالة من جديد، بعد رحلة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود من المتابعة والتوثيق، لم أنقطع خلالها يومًا عن زيارة هذه الأرض الجميلة، ولم أغب عن تفاصيلها ومواسمها وناسها، بل كنت حاضرًا فيها قلبًا وقلمًا في كل عام، أتابع تحولاتها وأوثق جمالها المتجدد.

وكعادتي في كل زيارة، يسبق قلمي خطواتي، باحثًا عن قصة جديدة تستحق أن تُروى، ومشهد جميل يستحق أن يُوثق، وإنجاز وطني يستحق أن يصل إلى القارئ. فالإعلام الصادق ليس ناقلًا للخبر فحسب، بل شريكًا في صناعة الصورة الذهنية، وجسرًا يربط الإنسان بالمكان، ويعيد تشكيل العلاقة بين القارئ والوطن عبر الكلمة والصورة والانطباع.

وسأظل، ما دام في القلب شغف، وفي اليد قلم، أعود إلى ظفار كلما أقبل موسمها الاستثنائي، لأكتب عن أرضٍ لا تكتفي بأن تُبهر زائرها، بل تمنحه في كل مرة سببًا جديدًا ليعود إليها. فخريف ظفار ليس فصلًا من فصول السنة فحسب، بل هو حكاية وطن تتجدد، وقصة نجاح عُمانية تستحق أن تُروى للعالم عامًا بعد عام.

الأكثر قراءة

z