أسماء بنت سعيد الإسماعيلية
مع حلول الإجازات والمواسم السياحية، تمتلئ الشواطئ والأودية والمتنزهات في مختلف ولايات عُمان بالأسر الباحثة عن أوقات جميلة ولحظات لا تُنسى. أطفال يركضون بين المساحات الخضراء، وأسر تتنقل بين المواقع الطبيعية، وصور تخلّد ذكريات الفرح في أيام الإجازة.
لكن، في الجانب الآخر من المشهد، هناك أطفال يعيشون إجازة مختلفة تمامًا.
أطفال أنهكتهم الأمراض النادرة، أو فرضت عليهم بعض أنواع الإعاقات ظروفًا صحية خاصة، فأصبحت رحلتهم اليومية محصورة بين جدران المنزل أو غرف العلاج والمتابعة الطبية. يقفون أحيانًا خلف النوافذ أو عند أبواب المنازل، يراقبون الحياة وهي تمضي من حولهم، ويتابعون عبر الشاشات ما يعيشه أقرانهم من مغامرات ونزهات وأنشطة، بينما تبقى لديهم أمنية بسيطة جدًا: أن يخرجوا مثل غيرهم، وأن يشعروا بأن الإجازة جاءت لهم أيضًا.
كثير من هؤلاء الأطفال لا يحلمون بالسفر البعيد أو البرامج المكلفة، بل قد تكون أمنيتهم رحلة قصيرة إلى شاطئ قريب، أو زيارة وادٍ أو متنزه في ولايتهم، أو ساعات يقضونها في الهواء الطلق بعيدًا عن روتين العلاج والمواعيد الطبية.
وراء كل طفل من هؤلاء قصة أسرة كاملة.
أب وأم يعيشان تفاصيل الرعاية اليومية بكل ما تحمله من مسؤوليات وتحديات، وإخوة يشاركونهم هذا الواقع بصبر ومحبة. كثير من الأسر تؤجل رغباتها الشخصية، وتعتذر عن كثير من المناسبات والرحلات، لأنها لا ترغب في ترك طفلها وحيدًا أو تعريضه لأي ظروف قد تؤثر على صحته. ومع مرور الوقت، تصبح الإجازة بالنسبة لهم امتدادًا لمسؤوليات العام كله.
وعندما نتحدث عن هذه الفئة، فإننا لا نعمم على جميع الحالات، فلكل طفل ظروفه الصحية الخاصة، وهناك من لا تسمح حالتهم بالخروج أو المشاركة في الأنشطة الخارجية، لكن هناك أيضًا أطفالًا تسمح أوضاعهم الصحية بقدر من الحركة والمشاركة إذا توافرت البيئة المناسبة، والاحتياطات اللازمة، ووسائل الدعم الملائمة.
وهنا يبرز جانب إنساني مهم يستحق التأمل.
فجودة الحياة لا تقتصر على العلاج والدواء والخدمات التأهيلية فحسب، بل تشمل أيضًا الجانب النفسي والاجتماعي والترفيهي. فالطفل الذي يعيش تجربة مرض مزمن أو إعاقة يحتاج إلى لحظات فرح، كما تحتاج أسرته إلى متنفس يخفف عنها أعباء الأيام الطويلة.
وربما لو أُتيحت رحلات ترفيهية مهيأة، أو أنشطة مجتمعية تراعي احتياجات هذه الفئة، أو فعاليات تسمح لهم بالمشاركة بأمان وكرامة، لكان لذلك أثر كبير في نفوس الأطفال وأسرهم. فالسعادة أحيانًا لا تحتاج إلى مشاريع كبيرة، بل إلى مبادرات بسيطة تفتح بابًا للأمل، وتمنح هذه الأسر شعورًا بأنها حاضرة في ذاكرة المجتمع واهتمامه.
المجتمع العُماني عُرف عبر تاريخه بقيم التكافل والتراحم والتعاضد، وبمواقفه النبيلة التي تلامس احتياجات الناس وتخفف عنهم أعباء الحياة. ومن أجمل صور هذا التكافل أن نجد مساحة لهذه الفئة وأسرها ضمن اهتمامات المجتمع وبرامجه ومبادراته، وأن نساعدهم على صناعة ذكريات جميلة تشبه تلك التي يعيشها غيرهم في مواسم الإجازات.
فهناك أطفال لا ينتظرون الكثير.
ينتظرون نزهة آمنة، أو يومًا مختلفًا، أو فرصة لرؤية البحر عن قرب، أو لحظة فرح يشاركونها مع أسرهم بعيدًا عن الأجهزة الطبية ومواعيد العلاج.
وقد تكون أمنية صغيرة في نظر الآخرين، لكنها بالنسبة لهم تعني عالمًا كاملًا من السعادة.
فهل تصل هذه الأمنيات إلى القلوب قبل الآذان؟
وهل تجد من يلتفت إليها لتصبح الإجازة أكثر إشراقًا لأطفال يستحقون الفرح مثل بقية أطفال المجتمع؟
لأن خلف كل طفل من ذوي الأمراض النادرة أو الإعاقات أسرة تحمل همَّه كل يوم، وتستحق أن تجد يدًا تمتد إليها بالأمل، وقلبًا يشعر بها، ومجتمعًا يؤكد لها أنها جزء أصيل منه، لا يُنسى في مواسم الفرح والإجازات.
ربما لا تحتاج هذه الأسر إلى الكثير، ولا تنتظر المستحيل. فكل ما تتمناه أحيانًا ساعات قليلة خارج روتين العلاج والرعاية، أو رحلة آمنة تمنح أطفالها فرصة لرؤية البحر أو الجلوس في أحضان الطبيعة. وقد تكون تلك اللحظات البسيطة عابرة في نظر البعض، لكنها في قلوب هؤلاء الأطفال وأسرهم ذكرى لا تُنسى، ورسالة صامتة تقول لهم: أنتم حاضرون في وجدان مجتمعكم، ولم تُنسكم ظروف الحياة.
