فياض الكندي.. ابتسامة رحلت وأثرٌ باقٍ

 

 

ناصر بن سلطان العموري

حين يرحل الأنقياء، تكتسي الكلمات ثوب الحداد، وتغدو الكتابة محاولة لمواساة القلوب قبل أن تكون رثاءً للراحلين.

غيّب الموت الشاب العُماني فياض الكندي، ذلك الوجه الذي ألهم الجميع معنى الرضا بقضاء الله، وجعل من معاناته مع المرض رسالة أمل وصبر بقي صداها حاضرًا في قلوب كل من عرفه أو تابع رحلته.

رحل فياض، وغابت ابتسامته التي لم تفارقه رغم قسوة المرض وأنابيب الأكسجين التي لازمته سنوات طويلة. لكنه لم يكن مجرد مريض يصارع الألم، بل كان نموذجًا حيًا للإرادة، وصوتًا معبرًا عن آمال وآلام مرضى الأمراض الوراثية والمزمنة.

فقد خاض معركة شاقة بصبر وإيمان، حتى أصبح رمزًا للكفاح والإصرار، وترك برحيله أثرًا بالغًا في المجتمع العُماني. إن الحزن على رحيل فياض لا ينبغي أن يتوقف عند عبارات الرثاء والدعاء، بل يجب أن يتحول إلى وقفة جادة مع الرسالة التي حملها طوال سنوات مرضه.

فقصته أعادت إلى الواجهة أهمية مراجعة بعض الجوانب الإدارية والمالية في المنظومة الصحية، والعمل على تذليل العقبات التي قد تؤخر حصول المرضى على العلاج، خاصة في الحالات التي يكون فيها عامل الوقت عنصرًا حاسمًا في إنقاذ الأرواح وتحسين فرص الشفاء.

والوفاء الحقيقي لذكرى فياض يتمثل في تعزيز الاهتمام بملف الأمراض الوراثية والمزمنة، ودعم الجهود الكبيرة التي تبذلها وزارة الصحة، بما يضمن تطوير آليات الاستجابة الطبية وتوفير الإمكانات اللازمة لمواكبة احتياجات هذه الفئة. فالرعاية الصحية ليست مجرد خدمات علاجية، بل منظومة متكاملة تستدعي التخطيط والتمويل والمرونة في اتخاذ القرار، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأمراض تتطلب تدخلًا عاجلًا وعلاجات مرتفعة التكلفة.

ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى مراجعة حجم الاعتمادات المالية المخصصة للقطاع الصحي، بما يعزز قدرة وزارة الصحة على توفير أحدث البروتوكولات العلاجية للحالات المستعصية، سواء داخل السلطنة أو خارجها عند الحاجة. فزيادة الدعم المالي للمنظومة الصحية ستسهم في تسريع الإجراءات، وتسهيل التدخلات الطبية، وفتح مسارات أكثر مرونة للحالات الحرجة، بما ينسجم مع تطلعات سلطنة عُمان في توفير رعاية صحية مستدامة ومتقدمة لكل مواطن.

ولو قُدِّر لفياض أن يوجّه كلماته الأخيرة إلى رفاقه من مرضى الأمراض الوراثية والمزمنة، لقال: "لا تجعلوا ظروفكم الصحية سقفًا لطموحاتكم، ولا تسمحوا للألم أن يسرق منكم شغف الحياة. تمسكوا بالأمل، فالإرادة أقوى من المرض، واليأس هو التحدي الحقيقي الذي ينبغي هزيمته".

لقد أثبت فياض أن قيمة الإنسان لا تُقاس بسلامة جسده، وإنما بما يتركه من أثر في حياة الآخرين. وبرحيله، يوجّه رسالة بليغة إلى الشباب الذين ينعمون بالصحة والعافية، بأن يجعلوا منها وسيلة للعطاء، وخدمة الوطن، وصناعة الإنجازات التي تبقى بعد رحيل أصحابها. فالعافية نعمة ومسؤولية، وأجمل ما يُخلّد الإنسان هو ما يزرعه من خير في حياة الناس.

سيبقى أثر فياض الكندي حاضرًا في الذاكرة، وستظل قصة كفاحه مصدر إلهام لكل من يواجه تحديات الحياة. ومن أصدق الوفاء لذكراه أن نواصل العمل، حكومةً ومجتمعًا، على دعم المنظومة الصحية، وتيسير الإجراءات العلاجية، وتوفير كل ما من شأنه أن يحفظ حياة المرضى ويمنحهم فرصة أكبر للأمل.

رحم الله فياض الكندي رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل سيرته الطيبة شاهدةً له، ومنارةً تلهم الأجيال بأن الإرادة الصادقة قادرة على أن تصنع من الألم رسالة، ومن الابتسامة أثرًا لا يزول.

الأكثر قراءة

z