د. أحمد بن موسى البلوشي
لم تعد الكلمة في هذا العصر صوتًا ينتهي بانتهاء المجلس، ولا رأيًا عابرًا يسمعه عدد محدود من الناس ثم يختفي. فقد أحدثت الثورة الرقمية تحولًا جذريًا في قدرتنا على التواصل والتأثير؛ وأصبح بإمكان جملة قصيرة، أو صورة، أو مقطع مرئي، أن يعبر الحدود في لحظات ويصل إلى آلاف الأشخاص، وربما الملايين. هذه القدرة الهائلة التي منحتها وسائل التواصل الاجتماعي للأفراد تمثل فرصة استثنائية لنشر المعرفة، وبناء الوعي، وتعزيز القيم، وتقريب المسافات بين الناس، لكنها في الوقت نفسه تضع على عاتق كل مستخدم مسؤولية أخلاقية ومجتمعية كبيرة.
فالكلمة لا تفقد مسؤوليتها عندما تنتقل من اللسان إلى لوحة المفاتيح، بل قد تصبح أكثر تأثيرًا وخطورة؛ لأن الكلمة المنطوقة قد يسمعها من يجالسنا فقط، أما الكلمة الرقمية فيمكن أن تُنسخ وتُشارك وتُحفظ وتنتقل إلى فضاءات لا نعرف حدودها، وقد تبقى متداولة سنوات بعد أن ينسى صاحبها أنه كتبها.
ولعل أحد أبرز التحولات التي أحدثتها المنصات الرقمية أنها جعلت كل فرد تقريبًا منتجًا للمحتوى وناشرًا له. ففي الماضي كانت عملية النشر العام تمر غالبًا عبر مؤسسات إعلامية ومحررين ومراجعين، أما اليوم فإن الهاتف الذكي منح صاحبه ما يشبه منصة إعلامية شخصية؛ يستطيع من خلالها كتابة خبر، أو تصوير حدث، أو التعليق على قضية، أو نقل معلومة، أو إعادة نشر محتوى إلى جمهور واسع.
فليس من الضروري أن يكون الإنسان هو من صنع المعلومة الخاطئة حتى يكون جزءًا من انتشارها، وقد تكون ضغطة واحدة على زر "إعادة الإرسال" كافية لنقل إشاعة إلى الآلاف من الناس، ثم يعيد هؤلاء إرسالها إلى آخرين، لتتسع الدائرة في دقائق، ومن هنا فإن عبارة وصلني ونقلته لا تعفي صاحبها من المسؤولية؛ لأن إعادة النشر ليست فعلًا محايدًا، بل هي مساهمة في منح المحتوى جمهورًا جديدًا وربما مصداقية إضافية.
وتزداد هذه المسؤولية مع الانتشار السريع للشائعات والأخبار غير الموثوقة. فالفضاء الرقمي بطبيعته سريع الانتشار، والمحتوى المثير قد يجد طريقه إلى الجمهور أسرع من المعلومة الدقيقة؛ لأن بعض المستخدمين يتفاعلون مع العنوان قبل قراءة التفاصيل، أو يشاركون خبرًا لأنه يثير الدهشة أو الغضب، أو رغبةً في أن يكونوا أول من ينقله إلى الآخرين.
لا تقف مسؤولية الكلمة الرقمية عند الأخبار والشائعات، بل تمتد إلى طريقة حديثنا عن الآخرين ومعهم؛ فقد أتاحت المنصات مساحة واسعة للتعبير عن الرأي، لكنها في المقابل أظهرت أن بعض الأشخاص قد يكتبون خلف الشاشة كلمات ربما لا يقولونها لو كانوا يقفون أمام الشخص نفسه، ومن هنا ظهرت صور متعددة من التنمر الإلكتروني والسخرية والتشهير والتجريح والتعليقات المسيئة، وقد يرى صاحب التعليق أنه كتب مزحة عابرة، بينما يستقبلها الطرف الآخر بوصفها إهانة علنية أمام مئات الأشخاص، وقد تكون صورة ساخرة مادة للضحك في مجموعة إلكترونية، لكنها في حياة صاحبها انتهاك لخصوصيته وكرامته. فالإنسان الذي نتعامل معه خلف الشاشة إنسان حقيقي، وسمعته حقيقية، ومشاعره حقيقية، وكرامته حقيقية، والضرر الذي قد تسببه الكلمات له ولأسرته ومحيطه الاجتماعي قد يستمر طويلًا بعد حذف المنشور نفسه.
وفي المقابل، فإن الدعوة إلى الاستخدام المسؤول للفضاء الرقمي لا تعني تقييد حرية التعبير أو إلغاء الاختلاف؛ فالاختلاف في الرأي ظاهرة طبيعية وصحية، والمنصات الرقمية أتاحت فرصًا واسعة للحوار وتبادل المعرفة ومناقشة القضايا العامة، ولذا نحن بحاجة إلى ثقافة رقمية نستطيع من خلالها أن نقول للآخر أختلف معك، دون أن يصبح الاختلاف خصومة، وأن نناقش الفكرة بالحجة لا بالتجريح، وأن نحترم الإنسان حتى عندما نرفض رأيه؛ فالأخلاق الرقمية ليست منظومة منفصلة عن أخلاقنا في الحياة، وإنما هي امتداد لها واختبار حقيقي لها.
وتكتسب هذه القضية أهمية أكبر عندما يتعلق الأمر بالأطفال والناشئة؛ فالأجيال الجديدة لا تنظر إلى العالم الرقمي بوصفه عالمًا منفصلًا عن حياتها اليومية، بل أصبح جزءًا أصيلًا من علاقاتها وتعلمها وترفيهها وتكوينها الاجتماعي، ولهذا لا ينبغي أن تقتصر التربية الرقمية على تحديد ساعات استخدام الأجهزة أو التحذير من المواقع غير الآمنة، وإنما يجب أن تمتد إلى بناء السلوك والأخلاق الرقمية، وهنا تتكامل مسؤوليات الأسرة والمدرسة والمؤسسات الإعلامية والثقافية والدينية ومؤسسات المجتمع المختلفة؛ لأننا لا نتعامل مع قضية تقنية فحسب، وإنما مع قضية تربوية وأخلاقية ومجتمعية تتعلق بنوعية المواطن الذي نريد بناءه في العصر الرقمي.
إن الحديث عن المخاطر لا ينبغي أن يقودنا إلى النظر إلى الفضاء الرقمي باعتباره مصدرًا للمشكلات فقط؛ فالمنصة التي تنقل الشائعة تستطيع أن تنشر المعرفة، والأداة التي يمكن استخدامها للإساءة يمكن أن تصبح وسيلة لمساندة إنسان، والمساحة التي تشهد جدلًا سلبيًا يمكن أن تتحول إلى منصة للتعليم والتطوع والتوعية وإطلاق المبادرات المجتمعية.
إن التكنولوجيا في النهاية لا تصنع أخلاق المجتمع من الصفر، بقدر ما تكشفها وتوسع نطاق تأثيرها. فإذا حملنا إلى الفضاء الرقمي قيم الصدق والاحترام والتثبت والتسامح والمسؤولية، أصبح هذا الفضاء أكثر أمنًا ونفعًا، وإذا نقلنا إليه الشائعة والسخرية والتعصب والإساءة، فإن التكنولوجيا ستمنح هذه السلوكيات سرعة أكبر ومساحة أوسع للانتشار.
لذلك فإن بناء مجتمع رقمي آمن ومسؤول لا يبدأ من الشركات التقنية وحدها، ولا من التشريعات وحدها، ولا من المدرسة أو الأسرة وحدهما، وإنما يبدأ أيضًا من الفرد نفسه؛ من لحظة يتردد فيها إصبعه قبل الضغط على إرسال، ومن عقل يسأل قبل أن يصدق، ومن ضمير يراجع الكلمة قبل أن ينشرها.
