عمر بن قاسم السالمي
"لا تُقاسُ الأُممُ بما أودعَ اللهُ في أرضِها، بل بما أودعَهُ الإنسانُ في مواردِها".
هناك خطأٌ يتكرّر في كلِّ نقاشٍ عن التنمية؛ وهو أنّنا نبدأ دائمًا بالسؤال: ماذا نملك؟ بينما يُعلّمنا التاريخُ أنَّ هذا لم يكن يومًا السؤالَ الصحيح. فالأُمم لا تتمايز بما تملكه من موارد، لأنَّ الموارد تمنحها الطبيعةُ بلا تمييز، وإنّما تتمايز الأُمم بما تضيفه إلى تلك الموارد من معرفةٍ، ومؤسّساتٍ، وابتكار.
فالحضارةُ ليست عمليةَ استخراج، بل عمليةُ إضافة.
الطبيعةُ تمنحُ المادة، أمّا الإنسانُ فيمنحُها القيمة. والرملُ ليس أثمنَ في صحراءَ منه في أُخرى، لكنَّ حضارةً رأت فيه مجردَ امتدادٍ للأرض، بينما رأت فيه أُخرى أساسًا لصناعة السيليكون، ثم أشباه الموصلات، ثم الثورة الرقمية بأكملها. والنفطُ لم يكن مختلفًا قبل مئة عامٍ عمّا هو عليه اليوم، لكنَّ الإنسان غيّر معناه؛ فبعد أن كان وقودًا، أصبح مادةً تدخل في آلاف الصناعات الدوائية، والبتروكيماوية، والطبية، والإلكترونية. لم تتغيّر الموارد، بل تغيّرت العقولُ التي نظرت إليها.
ومن هنا يبدأ قانونُ الحضارة، فكلُّ أُمّةٍ استطاعت أن تضيف إلى مواردها طبقةً جديدةً من المعرفة، أضافت إلى تاريخها طبقةً جديدةً من القوة، فالثروةُ ليست فيما تملكه الأُمم، بل فيما تبتكره من أدواتٍ تمنح تلك الثروة قابليةً لمضاعفة قيمتها. ولهذا لم يكن التحوّل الهولندي في عصره الذهبي، خلال القرن السابع عشر، نتيجةَ اكتشافِ موردٍ جديد، وإنّما نتيجةَ ابتكارِ أداةٍ جديدة؛ إذ طوّرت السوقَ المالية الحديثة، فانتقل رأسُ المال من كونه مالًا ساكنًا في خزائن الأفراد إلى قوةٍ جماعيةٍ تموّل السفن، وتؤسّس الشركات، وتُغامر في المجهول، وتحوّل الادخارَ إلى استثمار، والاستثمارَ إلى حضارة.
ولم يكن التحوّل البريطاني قائمًا على الفحم وحده، فالفحم كان موجودًا في أراضٍ كثيرة، لكنَّ بريطانيا أدركت أنَّ الثروة الحقيقية لا تكمن في استخراج الموارد، بل في حماية العقل الذي يُعيد اكتشاف قيمتها. لذلك أقامت منظومةً قانونيةً جعلت الاختراعَ حقًّا مصونًا، والابتكارَ أصلًا اقتصاديًا، والعلمَ استثمارًا طويلَ الأجل. وهكذا التقت قوةُ المورد بقوةِ الفكرة، فلم تعد الثروةُ تُقاس بما يخرج من الأرض، بل بما يخرج من العقول، ومن ذلك اللقاء وُلد العصرُ الصناعي، وتبدّل ميزانُ القوة في العالم.
وعلى الجانب الآخر، فإنَّ التاريخ لا يُعاقب الأُمم حين تشحّ مواردُها، بل حين تعجز عن تجديد قيمتها. فالمواردُ وحدها لا تحفظ مكانةَ الدول، وإنّما يحفظها العقلُ القادر على إعادة اكتشافها في كلِّ عصر. وما إن تتوقف أُمّةٌ عن إنتاج المعرفة، أو تتباطأ مؤسّساتها في استيعاب الأفكار الجديدة، حتى تبدأ ثرواتها بالتحوّل من مصدرٍ للقوة إلى عبءٍ تاريخي. ولعلَّ جانبًا من التجربة العثمانية يجسّد هذه الحقيقة؛ فلم يكن التراجعُ نتيجةَ نقصٍ في الأرض أو البشر أو الثروات، بل نتيجةَ اتساعِ الفجوة بينها وبين التحوّلات العلمية والاقتصادية التي كانت تُعيد تشكيل أوروبا. وبينما كانت الدول الأوروبية تبني مؤسّساتٍ للعلم، وتموّل الاكتشاف، وتطوّر الصناعة والأسواق المالية، ظلَّ كثيرٌ من أدوات الدولة العثمانية يعمل بمنطق عصرٍ مضى. وهكذا لم يكن الفارقُ بين الطرفين في حجم الموارد، بل في القدرة على إنتاج المعرفة، وتحويلها إلى مؤسّسات، ثم إلى قوةٍ اقتصاديةٍ وسياسيةٍ تُعيد تشكيل التاريخ.
وإذا كان هذا هو القانون الذي حكم صعود الأُمم، فإنَّ السؤال الذي ينبغي أن يواجهنا يتغيّر جذريًا. فالقضية ليست: كم برميلًا من النفط نستخرج؟ ولا كم طنًا من المعادن نصدر؟ وإنّما: كم قيمةً نضيف إلى كلِّ برميل، وإلى كلِّ طن، قبل أن يغادر أرضنا؟
فالبرميلُ الخام ليس نهايةَ الثروة، بل بدايتَها. وكلُّ قيمةٍ لا تُخلق هنا، ستُخلق في مكانٍ آخر. وكلُّ مصنعٍ لا يُبنى هنا، سيُبنى هناك. وكلُّ براءة اختراعٍ لا تولد هنا، ستولد في اقتصادٍ آخر، ثم نعود لنشتريها بثمنٍ أعلى ممّا بعنا به المادةَ الخام.
الاستثمارُ الذي يسبق جميع الاستثمارات هو الاستثمارُ في الإنسان. فالعالِمُ لا يضيف بحثًا علميًا فقط، بل يبني مدرسةً فكرية. والجامعةُ لا ينبغي أن تكون مصنعًا للشهادات، بل مصنعًا للقيمة. والبحثُ العلمي ليس بندًا في الموازنة، بل هو الوسيلة التي تنتقل بها الدولةُ من بيع الموارد إلى إنتاج المعرفة.
إذًا، السؤالُ الذي ينبغي أن يسبق كلَّ خطةٍ تنمويةٍ ليس: كيف نزيد الإنتاج؟
بل: كيف نجعل ما نملكه اليوم أكثر قيمةً اليوم وغدًا؟
الحضاراتُ لا تُخلَّد لأنّها امتلكت موارد أكثر من غيرها، بل لأنّها أضافت إلى مواردها ما لم يضفه أحدٌ قبلها.
