د. هبة العطار
انطلاقًا من جملتي الفلسفية: «نحن نحس ما نحب... ولا نحب كل ما نحس»، أطرح رؤية تعيد النظر في العلاقة بين الحواس، والإدراك، والمشاعر، بوصفها مراحل متكاملة يتشكل عبرها الوعي الإنساني. فهذه ليست عبارة وجدانية تحتفي بالحب، ولا تأملًا أدبيًا في العاطفة، وإنما محاولة لفهم الكيفية التي تنتقل بها المثيرات الحسية من صورتها الخام إلى معانٍ يدركها العقل، ثم إلى مشاعر تعيشها النفس، حتى يغدو الحب أرقى صور الوعي بالمعنى، لا مجرد استجابة انفعالية للمحسوس. فالحب لا يبدأ حيث تبدأ الحواس، بل يبدأ عندما تنتهي مهمتها، إذ لا تقدم الحواس للإنسان سوى المادة الأولية للواقع، بينما يعيد الوعي تفسيرها، ويمنحها دلالاتها وقيمتها الإنسانية. فالإنسان لا يعيش الأشياء كما تلتقطها عيناه أو تسمعها أذناه، وإنما كما يعيد إدراكه بناءها، ثم كما يعيد الحب إحياءها داخله. فالحواس تنقل الواقع، والإدراك يعيد تفسيره، أما الحب فيعيد خلقه في الوعي الإنساني. ومن هنا لا يصبح الحب استجابة لما نراه، وإنما استجابة لما أصبح عليه الشيء بعد أن مر عبر العقل والوجدان.
لا تتولد المشاعر في اللحظة التي تستقبل فيها الحواس العالم، لأن الإحساس ليس سوى البداية الأولى لرحلة أكثر عمقًا. فالمثير الحسي لا يحمل في ذاته معنى، ولا يصنع قبولًا أو رفضًا، بل يقدم للوعي مادة خامًا تنتظر من يقرأها. وهنا تبدأ أولى العمليات المعرفية، وهي الانتباه، الذي لا يستجيب لكل ما يحيط بالإنسان، وإنما ينتقي ما يرتبط بخبراته، واهتماماته، وقيمه. وما يستحوذ على الانتباه ينتقل إلى الإدراك، حيث تبدأ العمليات العقلية العليا في تنظيمه، وربطه بالذاكرة، وإكسابه المعنى، وإضفاء السمات والصفات عليه. وعند هذه اللحظة يغادر الإحساس طبيعته البيولوجية، ويتحول إلى تجربة إنسانية واعية، ومنها تنشأ المشاعر. فالإحساس يجيب عن سؤال: ماذا حدث؟ والانتباه يحدد ما الذي يستحق أن يشغل وعينا، أما الإدراك فيجيب عن السؤال الأعمق: ماذا يعني هذا بالنسبة لي؟ ومن هذه الإجابة تولد المشاعر، وبذلك لا تكون استجابة مباشرة للعالم، وإنما استجابة لمعناه بعد أن يُعاد بناؤه داخل الوعي. ولذلك فإن الإنسان لا يحب ما تقع عليه حواسه مباشرة، وإنما يحب المعنى الذي شيده وعيه مما نقلته تلك الحواس. فليس كل ما نحسه يستحق أن نسكن إليه، وليس كل ما يلامس حواسنا يجد طريقه إلى القلب، لأن القلب لا يستجيب للإحساس، بل لما يمنحه الإدراك من قيمة.
لا يمثل الإدراك، بالرغم من أهميته، نهاية الرحلة، لأنه يمنح الأشياء معناها، لكنه لا يمنحها قيمتها الوجدانية. وهنا يبدأ الحب، لا بوصفه انفعالًا عاطفيًا، بل بوصفه وعيًا عميقًا يعيد ترتيب المعاني داخل الإنسان. وهنا يغادر الإنسان حدود المعرفة الحسية، ليقترب من معرفة إنسانية لا تقاس بما نراه، بل بما نفهمه ونعيشه. ولعل سقراط كان يلخص هذه الحقيقة حين قال: «تكلم كي أراك»، فلم يكن يقصد أن الكلمة أبلغ من الصورة فحسب، بل كان يدرك أن العين ترى الملامح، بينما تكشف الكلمة عن الفكر، والقيم، والأخلاق، والروح. لذلك يبدأ القبول غالبًا من العين، ثم يتسع مع السمع، ثم تكتمل دوائره مع بقية الحواس، غير أن استمراره لا تصنعه الحواس، بل تصنعه الشخصية. وكم من وجه استوقف الأبصار في اللحظة الأولى، ثم فقد حضوره بعد كلمات قليلة، وكم من ملامح عادية ازدادت جمالًا كلما تكشفت وراءها نفس راقية، وعقل حكيم، وروح نبيلة. ومن هنا لا يبدو المثل الشعبي القائل: «مراية الحب عمياء» دعوة إلى إنكار العيوب، بل وصفًا لحقيقة إدراكية عميقة. فالحب لا يمحو العيوب، وإنما يعيد ترتيب أهميتها داخل وعينا، فتتراجع التفاصيل أمام اتساع المعنى، ويصبح الإنسان أكبر من صورته، وأعمق من ملامحه. فالمحب لا يرى شخصًا آخر، وإنما يرى الشخص نفسه بعد أن أعاد الحب توزيع المعاني داخله، فأصبحت الفضائل أكثر حضورًا، وتراجعت العيوب إلى الهامش دون أن تختفي.
يختلف الحب عن سائر المشاعر الأخرى، لأنه لا يقف عند حدود ما تمنحه الحواس، ولا عند ما يفسره الإدراك العقلي. فبعد أن ينجز العقل مهمته في فهم الواقع وإكسابه المعنى، يبقى في التجربة الإنسانية بعد آخر، تتفاعل فيه الروح مع إشارات خفية لا تقاس بالمحسوس، ولا تفسرها المعادلات العقلية المجردة. لذلك يشعر الإنسان أحيانًا بألفة لا يعرف لها سببًا، أو ينفر من شيء لا يجد لتجنبه تفسيرًا، وكأن القلب يلتقط من المعاني ما تعجز الحواس عن التقاطه، ثم يأتي العقل ليصل بين الظاهر والخفي، وبين الواقع المشهود وما يختزنه القدر من أسرار لا تنكشف إلا مع مرور الزمن. فالعقل لا يناقض القلب، ولا القلب يلغي العقل، وإنما يكتمل كل منهما بالآخر. فالعقل يتعامل مع الأدلة، بينما يتفاعل القلب مع الدلالات، والعقل يدرك الصورة، أما القلب فيبصر حقيقتها، والعقل يفسر ما هو كائن، أما القلب فيمنحه قيمته الإنسانية. ومن هنا لا يكون الحب خروجًا على العقل، بل ارتقاءً بالإدراك إلى مرتبة أرحب، يلتقي فيها المحسوس باللامحسوس، والواقع بالمعنى، والمنطق بما يعجز المنطق وحده عن احتوائه. فالإنسان حين يحب لا يرى ما لا يراه الآخرون، وإنما يرى في الشيء الواحد من المعاني ما لا يستطيع الآخرون رؤيته، لأن الحب لا يبدل العالم، بل يبدل زاوية النظر إليه، فيكشف من الحقيقة وجهًا لم يكن غائبًا عن الوجود، وإنما كان غائبًا عن الوعي.
لم يخطئ الإنسان في فهم الحب بقدر ما أخطأ في فهم نفسه، فقد ظل يظن أن ما يراه هو ما يعيشه، بينما الحقيقة أن ما يعيشه هو ما يمنحه المعنى. وبذلك لا تصبح قيمة الوجود فيما يقع على الحواس، وإنما فيما يستقر في الوعي. فكل ما يمر بالإنسان يعبر من العالم إليه، إلا الحب، فإنه يعبر من الإنسان إلى العالم، فيغير دلالة الأشياء دون أن يغير الأشياء ذاتها، ويمنح الوجود بعدًا لا يقاس بالحقيقة وحدها، بل بما تكشفه الحقيقة حين تمس القلب. ولذلك فإن أعمق التحولات التي تصيب الإنسان لا تحدث عندما يتغير العالم من حوله، بل عندما يتغير معنى العالم داخله. فهناك تولد الرؤية الجديدة، وتتبدل المقاييس، ويغدو ما كان عاديًا استثنائيًا، وما كان ثقيلًا خفيفًا، وما كان صامتًا ممتلئًا بالدلالات. فلا يعود الحب عاطفة نسكن إليها، ولا انفعالًا تثيره الحواس، بل يصبح أرقى صور الوعي الإنساني، حيث يتحول الإحساس إلى إدراك، والإدراك إلى معنى، والمعنى إلى شعور، والشعور إلى قيمة، فتغدو الحقيقة أوسع مما تراه العين، وأعمق مما يفسره العقل، وأرحب مما يستطيع القلب وحده أن يشعر به. وبذلك يكتمل الإنسان بالوصول إلى أسمى معاني الإدراك حين يحب.
