إلى معالي البروفيسور وزير العمل

 

 

د/ عبدالله باحجاج

التقيتُ -بناءً على طلبهم- مجموعةً من الباحثين عن عمل، ترتسم على ملامحهم الإرهاق والتعب، ومن الواضح أنه ليس الإرهاق والتعب اللذين تُخلِّفهما مشقة الأجساد، بل تعبٌ أعمق، تعبٌ نفسيٌّ متراكم، ملامح أرهقتها الضغوط الصامتة بعد رحلة بحثٍ طويلة عن عمل، بعضها مكلفٌ ماليًّا.

وقد ظهرت لي تلك الملامح منذ الوهلة الأولى من عيونهم ووجوههم، بعدما طلبوا لقائي بعيد عودتهم من محافظة مسقط، بعد أن أجروا اختباراتٍ إلكترونية باللغة الإنجليزية في مؤسسة حكومية رفيعة المستوى، ويبلغ عدد من تقدم لهذه الاختبارات أكثر من 90 باحثًا، أغلبهم من ظفار، وهناك دفعة أخرى مقررٌ لها السفر إلى مسقط للغرض نفسه، وقد عادت الدفعة الأولى من المتقدمين، وهي تحمل قناعةً عامة بعدم اجتياز الاختبار؛ بسبب أن الاختبار أُجري إلكترونيًّا وباللغة الإنجليزية وفي وقتٍ قصير.

وفي اللقاء، قال لي أحدهم إنه لن يذهب مجددًا لأي فرصة أخرى خارج محافظته؛ بسبب التكلفة المالية المتمثلة في تذكرة السفر والمواصلات والسكن والأكل، وكذلك انسداد أفق الأمل، وهذه الضغوط لا يعيشها الباحث عن عمل وحده، بل تمتد إلى أسرته كاملة، حيث تشاركه القلق والتعب، ونحن هنا نخاطب العقل والقلب معًا؛ لكي تصل هذه الرسالة إلى معاليه، ولهذا فإن التخفيف من معاناة الباحثين عن عمل لا يكون بتوفير فرص العمل فحسب، بل أيضًا بإزالة الأعباء غير الضرورية التي تثقل كاهلهم، ومن ذلك اعتماد اللامركزية في الاختبارات وإجراءات التوظيف؛ حتى لا يضطر الشاب الباحث عن عمل إلى قطع مئات أو ألف كيلومتر من ظفار ومسندم، مثلًا، إلى مسقط، متحملًا تكاليف السفر والإقامة والمواصلات، وهو لا يعلم هل سيعود بوظيفة أم سيظل باحثًا عن عمل.

إن تقريب الخدمات من المواطنين دائمًا ما يحث عليه عاهل البلاد- حفظه الله ورعاه- وهذا من كبرى توجهات مسيرتنا المتجددة، وذلك لأثره الاجتماعي الكبير في ظل مساحة بلادنا المترامية الأطراف، وإجراء الاختبارات مركزيًّا يخرج تمامًا عن سياق تقريب الخدمات من المواطنين، خاصةً وأن التقنية والتكنولوجيا قد أصبحتا وسيلةً متاحة للتخفيف من هذه المعاناة، فإذا كانت التحولات الرقمية قد قرَّبت الخدمات الحكومية والمالية والتعليمية إلى الناس، فلماذا لا تُسخَّر في إجراءات الاختبارات والمقابلات؟ خاصةً وأن لهذه المؤسسة المركزية فرعًا كبيرًا في ظفار، فلماذا لا تُجرى الاختبارات متزامنةً مع مثيلتها في مسقط -توقيتًا ورقابةً- فالتقنية قد أصبحت ضرورةً وطنيةً وإنسانيةً وإداريةً، وتوفر ضمانةً لعدم المساس بنزاهة الاختبارات، ولو كان لا بد من رقابة مركزية، فليكن إرسال موظف أو موظفين عوضًا عن ذهاب ذلك العدد الكبير من الباحثين. وهذا ينسجم مع توجهات البلاد نحو التحول الرقمي، وتبني نظام اللامركزية في تقديم الخدمات الحكومية.

نتطلع من معالي البروفيسور الدكتور وزير العمل تفهم هذه الرسالة، وهي رسالة من باحثين وأسرهم، ومعاليه سيقدر ما يعيشه الباحثون عن عمل وأسرهم من معاناة، وما يتحملونه من أعباء مالية ونفسية بسبب السفر المتكرر لأداء الاختبارات، وأنه سيولي هذا الموضوع ما يستحقه من اهتمام، بما يسهم في إيجاد حلول أكثر يسرًا وعدالة، ليس في الاتجاه الواحد، بل في كل الاتجاهات، أي سواء كانت الاختبارات في مسقط أو ظفار أو مسندم، إلخ. ولن يختلف معي معاليكم بأن إنفاق الباحث ما لا يقل عن 100 ريال لساعة أو ساعتين اختبار هو تكلفة ثقيلة عليه وعلى أسرته، في ظل ما تمر به ظروف الأسر المالية من تحديات كبيرة، هي معلومة بالضرورة.

الأكثر قراءة

z