إلى بناة عُمان وصناع مجدها

 

 

د. حامد بن عبدالله البلوشي**

مع إشراقة إعلان نتائج دبلوم التعليم العام، تتجدد في البيوت فرحةُ النجاح، وسعادة الإنجاز، وتعلو الوجوه ابتسامات الطلاب والطالبات الذين توَّجوا عامًا كاملًا من الجد والاجتهاد والمثابرة، وتتسع مشاعر الفخر في قلوب أولياء الأمور الذين شاركوا أبناءهم رحلة التعب والكفاح، وطريق الأمل والاجتهاد، ولا تقتصر الفرحة على هؤلاء المجتهدين، بل تمتد السعادة إلى شركاء النجاح من المعلمين والمعلمات والإدارات المدرسية، وكل من أسهم في صناعة هذا النجاح، وتقديم أصدق عبارات التهنئة والتقدير لهم جميعًا؛ فقد كان كل واحد منهم شريكًا في هذه المسيرة المباركة، ولم يدخر أحدهم وقتًا وجهدًا، ولم يَضِنَّ بخبرته وعلمه، بما يستحق عليه جزيل الشكر، وعظيم الثناء.

إن إعلان النتائج ليس نهاية المطاف، وإنما هو نهاية لمرحلة مضت، وبداية لمرحلة جديدة أكثر اتساعًا، يخطو فيها أبناؤنا نحو آفاق التعليم العالي، أو التدريب المهني، أو الحياة العملية، وهم يحملون أحلامهم وطموحاتهم، ويستعدون للإسهام في بناء مستقبلهم ومستقبل وطنهم. فالنتائج تجتاز محطة مهمة، وعقبة كؤودًا، وتخطو خطوة واسعة، لكنها لا تحدد المصير، وما هي إلا صفحة من صفحات العمر، وفصلٌ من فصول الطموحات، بينما يبقى الكتاب مفتوحًا أمام الإنسان ليكتب فيه فصول نجاحه، وأبواب تميزه، بعزيمة ماضية لا يتسرب إليها وَهن، وإرادة قوية لا يتخللها ضعف.

ومن المهم أن يدرك الجميع أن النجاح لا يُقاس بالدرجات وحدها، فالتفوق الأكاديمي صورة جليَّة من صور النجاح، ودليل دامغ على البذل والعطاء، لكنه ليس الصورة المكتملة، أو الفصل الأخير. فكم من إنسان لم يكن الأول في مقاعد الدراسة، ولا يُؤْبَه له، وإذا غاب لم يُفتقد، ثم أصبح رائدًا في مجاله، أو قائدًا في مجتمعه، أو صاحب مشروع ناجح، أو مبتكرًا أحدث أثرًا عظيمًا في حياة الناس. وليس كل متفوق دراسيًّا ناجحًا في الحياة، أو متميزًا في مجاله، كما أنه ليس بالضرورة أن من تعثر في دراسته، أو تأخر في تعلُّمه، يفشل في المستقبل؛ لأن النجاح الحقيقي أوسع من ورقة درجات، وأرحب من رقم في شهادة.

لقد خلق الله -تعالى- الناس متفاوتين في قدراتهم وميولهم واستعداداتهم، وجعل لكل واحد منهم بابًا يبرع فيه، ومجالًا يتألق فيه، ولذلك قال النبي ﷺ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»، وهذا التوجيه النبوي العظيم يبعث في النفس الطمأنينة والثقة، ويدعو الإنسان إلى اكتشاف مواهبه، واستخدام مهاراته، واستثمار إمكاناته، والسير في الطريق الذي يحقق فيه أفضل عطاء.

والمجتمع في حقيقته لا يقوم على تخصص واحد، ولا على مهنة واحدة، وإنما يحتاج إلى الطبيب والمهندس، كما يحتاج إلى المعلم والمبرمج، والضابط والجندي، وإلى الفني والحرفي، وإلى الممرض والصيدلي، وإلى الإعلامي والدبلوماسي، وإلى رائد الأعمال والمزارع والصانع، وإلى كل صاحب مهنة شريفة يؤدي عمله بإتقان وإخلاص. فكل مهنة شريفة تسهم في بناء الوطن، وكل يدٍ تعمل بإخلاص تضيف لبنةً في صرح التنمية، فكما قال جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه: "كل يد تبني عُمان لها منا كل التقدير والامتنان".

وعُمان، وهي تمضي بثبات نحو تحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040"، بحاجة إلى جميع أبنائها وبناتها، وإلى جهود رجالها ونسائها في مختلف الميادين والتخصصات. فهي لا تُبنى بفئة دون أخرى، وإنما تُبنى بسواعد الجميع، وبالعقول المبدعة، والإرادات الصادقة، والطاقات المنتجة. وعُمان تتسع لأحلام جميع أبنائها، وتفتح أمامهم مسارات متنوعة للتميز والإبداع.

ولذلك فإن من لم يحالفه الحظ في الحصول على المعدل الذي يؤهله إلى التخصص الذي كان يحلم به، أو الدرجة التي كان يرنو إليها؛ لا ينبغي أن يظن أن الأبواب قد أُغلقت أمامه، أو أُوصدت في وجهه، فهناك مسارات أخرى كثيرة يمكن أن تقوده إلى مستقبل مشرق، من خلال التعليم المهني والتقني، أو ريادة الأعمال، أو العمل الحر، أو اكتساب المهارات الرقمية والتقنية التي أصبحت اليوم من أهم مفاتيح النجاح في سوق العمل. فالعبرة ليست من أين تبدأ، وإنما كيف تستمر، وإلى أين تصل.

وإلى أبنائنا وبناتنا الذين لم يحققوا النسبة التي كانوا يطمحون إليها، ويتوقون إليها، نقول لهم بكل محبة وإخلاص: لا تجعلوا نتيجة واحدة، أو امتحانًا واحدًا، يختصر مستقبلكم، ولا تسمحوا لغيمة عابرة أن تُطفئ في قلوبكم شعلة الأمل. إن الحياة مليئة بالفرص، والنجاح الحقيقي يولد كثيرًا من رحم المحاولات المتكررة. ولنا في واقع الحياة نماذج كثيرة لأشخاص تعثروا في بداياتهم، ثم نهضوا بإصرارهم، وصنعوا لأنفسهم مكانة مرموقة في مجالات العلم والأعمال، والاختراع والإبداع. وما يميز هؤلاء لم يكن تفوقًا مبكرًا، أو درجات مبهرة، وإنما عزيمة لا تعرف الاستسلام، وإيمان بأن التعثر المؤقت خطوة نحو النجاح الدائم.

فاحرصوا، أبنائي الأعزاء، على مواصلة التعلم، وتنمية مهاراتكم، والاستفادة من كل تجربة، والإيمان بأن الإنسان يستطيع أن يصنع مستقبله ما دام يملك الإرادة، ويجدد أهدافه، ويجتهد في تطوير نفسه. فالعلم اليوم لا يقف عند حدود المدرسة أو الجامعة، بل أصبح رحلة مستمرة مدى الحياة.

وفي الوقت نفسه، فإن النجاح الشخصي ينبغي أن يقترن بالشعور بالمسؤولية الوطنية؛ فجميع أبناء الوطن مسؤولون عن الإسهام في نهضة عُمان، كلٌّ من موقعه، وكلٌّ بحسب قدرته، فخدمة عُمان شرف لا يضاهيه شرف. وإن رد الجميل لهذا الوطن الكريم الذي منحنا الكثير يكون بالعمل المخلص، والإتقان في الأداء، والمحافظة على مكتسبات النهضة، واحترام القانون، والذود عن أمنه واستقراره، وتعزيز قيم المواطنة الصادقة، والولاء والانتماء، وغرس روح المسؤولية في النفوس، لتمضي عُمان بعزيمة أبنائها الأمناء على حاضرها، وصُنَّاع مستقبلها، إلى آفاق أرحب من المجد والازدهار.

حفظ الله عُماننا الغالية شامخةً أبيةً، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار والرخاء، ووفق قائد نهضتها المتجددة، حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- لما فيه خير البلاد والعباد. ونسأله -سبحانه- أن يجدد في نفوسنا جميعًا العهد على مواصلة العمل المخلص، وبذل الجهد، والإسهام في رفعة هذا الوطن العزيز، حتى تبقى عُمان -بعون الله- منارةً للعلم، وموطنًا للإنجاز، وأرضًا تتسع لأحلام جميع أبنائها.

 

**مدير عام شبكة الباحثين العرب في مجال المسؤولية المجتمعية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z