د. هبة العطار
"أن يغضب أي إنسان، فهذا أمر سهل، لكن أن تغضب من الشخص المناسب، وبالدرجة المناسبة، وفي الوقت المناسب، وللهدف المناسب، وبالطريقة المناسبة، فذلك ليس بالأمر السهل"، بهذه المقولة الخالدة للفيلسوف اليوناني أرسطو، استهل عالم النفس الأمريكي دانيال جولمان كتابه الشهير «الذكاء العاطفي»، وكأنه أراد أن يؤكد منذ السطر الأول أن قيمة الإنسان لا تقاس بقدرته على التفكير وحده، وإنما بقدرته على إدارة مشاعره، فالعقل يستطيع أن يميز بين الصواب والخطأ، أما الذكاء العاطفي فهو الذي يحدد كيف نتعامل مع هذا الإدراك في مواقف الحياة المختلفة، ولذلك لم يعد النجاح في المفهوم الحديث مرهونًا بارتفاع معدل الذكاء العقلي فقط، بل أصبح مرتبطًا بقدرة الإنسان على فهم ذاته، وضبط انفعالاته، والتعاطف مع الآخرين، وبناء علاقات صحية ومتوازنة، واتخاذ قرارات أكثر حكمة تحت ضغوط الحياة، فالإنسان قد يمتلك عقلًا لامعًا، لكنه يخسر نفسه ومن حوله إذا عجز عن إدارة مشاعره، وقد لا يكون الأعلى ذكاء، لكنه يحقق نجاحًا وإنسانية وتأثيرًا بفضل نضجه العاطفي وحكمته في التعامل مع الحياة.
أحدث جولمان تحولًا جذريًا في النظرة إلى النجاح الإنساني عندما أوضح أن الذكاء العقلي (IQ) لا يفسر سوى جزء محدود من النجاح، بينما تلعب المهارات العاطفية والاجتماعية دورًا أكثر تأثيرًا في الحياة العملية والشخصية، فالذكاء العقلي يساعد الإنسان على التحليل، والاستنتاج، وحل المشكلات، والتفوق الأكاديمي، أما الذكاء العاطفي فيحدد كيف يواجه الضغوط، وكيف يحتوي الخلافات، وكيف يضبط انفعالاته، ويتخذ قراراته في لحظات الغضب والخوف والإحباط، وقد يمتلك شخص أعلى الدرجات العلمية، لكنه يفشل في الحفاظ على أسرته أو قيادة فريق عمل، بينما ينجح آخر لأنه يحسن الإنصات، ويتقن الحوار، ويفهم اختلاف الطبائع، ويكسب القلوب قبل أن يكسب العقول، ولهذا أكد جولمان أن الذكاء العقلي قد يمنح الإنسان فرصة النجاح، أما الذكاء العاطفي فهو الذي يحافظ على هذا النجاح، ويمنحه الاستمرار، والقبول، والتأثير.
ولم يعد هذا الطرح مجرد نظرية في علم النفس، بل أصبح واقعًا تفرضه متطلبات الحياة في مختلف مجالاتها، فقد أدركت المؤسسات الحديثة أن النجاح لا يعتمد على الشهادات العلمية أو التفوق الأكاديمي وحدهما، وإنما يحتاج أيضًا إلى ما يعرف بالمهارات الناعمة (Soft Skills)، التي أصبحت، وفقًا لتقارير المنتدى الاقتصادي العالمي (World Economic Forum)، من بين أهم مهارات المستقبل وأكثرها تأثيرًا في التوظيف والقيادة، وتشمل مهارات التواصل الفعال، والعمل الجماعي، والقيادة، والمرونة، وإدارة الضغوط، والتفاوض، والتكيف مع المتغيرات، وحل المشكلات، وهي جميعها مهارات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالذكاء العاطفي، لذلك قد يحصل الإنسان على فرصة بفضل تفوقه العلمي، لكنه يحافظ عليها، ويصنع تأثيره الحقيقي، ويكسب ثقة الآخرين بفضل نضجه الانفعالي، وحسن تعامله مع الناس، وقدرته على إدارة المواقف بحكمة واتزان. ولا يقتصر أثر هذه المهارات على بيئة العمل فحسب، بل يمتد إلى الأسرة، والعلاقات الاجتماعية، ومختلف مواقف الحياة، لأن النجاح لم يعد يقاس بما يعرفه الإنسان فقط، وإنما بكيفية توظيف هذا العلم في بناء علاقات إنسانية صحية، والتعامل مع الآخرين باحترام، وتحويل المعرفة إلى سلوك يعكس الوعي، والنضج، والإنسانية.
المشاعر ليست نقيضًا للعقل، بل أصبحت تمثل نظامًا داخليًا بالغ الدقة لتنظيم السلوك الإنساني، فالخوف ينبه الإنسان إلى الخطر، والحزن يساعده على التكيف مع الفقد، والغضب يشير إلى انتهاك الحدود، والفرح يعزز الدافعية والأمل، غير أن المشكلة لا تكمن في وجود المشاعر، وإنما في طريقة إدارتها، فالإنسان الذي يفتقر إلى الذكاء العاطفي يصبح أسيرًا لانفعالاته، يتحدث في لحظة غضب بما يهدم سنوات من المحبة، ويتخذ قرارات مصيرية تحت تأثير شعور مؤقت، بينما يدرك الإنسان الناضج أن المشاعر رسائل ينبغي فهمها، لا أوامر ينبغي تنفيذها، وقد أثبتت أبحاث علم النفس الإيجابي أن الأشخاص الذين يمتلكون مهارات عالية في تنظيم انفعالاتهم يتمتعون بمرونة نفسية أكبر، ومستويات أقل من القلق والاكتئاب، وقدرة أعلى على مواجهة الأزمات، لأنهم يجعلون من مشاعرهم مصدرًا للفهم، لا سببًا للفوضى.
القيمة الحقيقية للذكاء العاطفي تتجلى في العلاقات الإنسانية، فالعلاقات لا تنهار غالبًا بسبب غياب الحب، وإنما بسبب غياب الفهم، وسوء إدارة الانفعالات، والعجز عن الإصغاء الحقيقي. فجودة العلاقة لا تقاس بعدد كلمات الحب، بل بقدرة كل طرف على احترام مشاعر الآخر، والتعبير عن احتياجاته دون تجريح، واحتواء الخلاف دون إهانة، فالإنسان الذكي عاطفيًا لا يسعى إلى الانتصار في كل نقاش، لأنه يدرك أن الانتصار على من نحب قد يكون بداية خسارتهم، ولا يجعل غضبه حكمًا على الآخرين، ولا يسمح لانفعال عابر أن يهدم سنوات من المودة، إنه يعرف متى يتحدث، ومتى يصمت، ومتى يعتذر، ومتى يضع حدودًا تحفظ كرامته دون أن تهدم جسور المحبة، ولذلك فإن أكثر العلاقات استقرارًا ليست تلك التي تخلو من الخلاف، وإنما تلك التي يمتلك أطرافها قدرًا أكبر من الوعي العاطفي.
الذكاء العاطفي أحد أرقى أشكال الحكمة الإنسانية، فالإنسان لا يستطيع دائمًا أن يمنع الحزن أو الغضب أو الخوف من أن يطرق قلبه، لكنه يستطيع أن يختار الطريقة التي يستجيب بها لهذه المشاعر، وهنا تكمن الحرية الحقيقية، فالقوة ليست في كبت المشاعر، وليست أيضًا في الانسياق الأعمى وراءها، وإنما في تحويلها إلى طاقة للفهم والنمو، فالألم قد يصبح خبرة، والفشل قد يتحول إلى دافع، والخذلان قد يمنح الإنسان بصيرة لا تمنحها سنوات من الراحة، ولذلك فإن الذكاء العاطفي ليس مجرد مهارة نفسية، بل هو رحلة مستمرة نحو معرفة الذات، وتهذيب النفس، والارتقاء بالسلوك، حتى يصبح الإنسان أكثر هدوءًا في قراراته، وأكثر رحمة في أحكامه، وأكثر اتزانًا في نظرته إلى الحياة.
النجاح لا تصنعه العقول اللامعة وحدها، بل تصنعه أيضًا القلوب الواعية، فكم من إنسان امتلك معرفة واسعة، لكنه خسر نفسه والآخرين، وكم من إنسان لم يكن الأذكى، لكنه كان الأكثر قدرة على الاحتواء، والتعاطف، وضبط النفس، فترك في القلوب أثرًا لا تصنعه الشهادات ولا المناصب. إن الإنسان لا يرتقي عندما يزداد علمًا فحسب، بل عندما يزداد وعيًا بذاته، ورحمة بغيره، وقدرة على تحويل انفعالاته إلى طاقة للبناء لا للهدم، وهنا تتجلى الحقيقة التي أكدت عليها أبحاث علم النفس المعاصر، فالعقل قد يفتح للإنسان أبواب الفرص، أما الذكاء العاطفي فهو الذي يمكنه من العبور منها بثبات، ويحافظ على استمراره فيها، لأنه يجعله أكثر نجاحًا في عمله، وأكثر استقرارًا في أسرته، وأكثر نضجًا في علاقاته، وأكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة، ويجعل من حضوره في حياة الآخرين قيمة لا تُنسى، فالعقول تبني الحضارات، أما القلوب الواعية فهي التي تحفظها، وتجعل للعلم إنسانية، وللقوة رحمة، وللعلاقات معنى، وللنجاح قيمة، ولذلك فإن أعظم انتصار يحققه الإنسان ليس أن يكون الأكثر ذكاء، بل أن يكون الأكثر اتزانًا، والأكثر وعيًا بنفسه، والأقدر على أن يقود مشاعره بعقله، ويقود عقله بقيمه، فيصنع حياة أكثر سلامًا، ومجتمعًا أكثر نضجًا، وإنسانًا أكثر اكتمالًا.
