البؤس الفكري.. عندما يتجمد العقل يسطع البؤس الفكري

 

 

ماجد بن علي الهادي

تتعدد الصدمات الفكرية في هذه الحياة، وجلها تتلبس بها النفس قبل العقل، والفكر قبل التفكر. وما بؤس الحياة إلا استشعارًا عميقًا بالشقاء والافتقار. يمتد بين ما ترميه التغيرات الفسيولوجية من إصدارات مطبوعة، وبين ما تدسه الرسائل الرقمية في مختلف أنواع الأجهزة الإلكترونية. مع تعدد الصدمات الفكرية وتراكمها الموحش في العقل اللاواعي، يتعنون بؤس فكري، ويتشكل في الدماغ على هيئة أيقونة استدلالية للمسار الفكري للعقل. هذا البؤس من يراه حتميًا بسبب الانعكاسات المعاشة في هذا العالم المضطرب، ومن يستنطقه بالصدمات التي يعيشها المرء.

وبين هذا وذاك، يجب على الإنسان أن يصحح مساراته الفكرية ويجددها، يجب عليه ألا يستسلم إلى المؤثرات العالمية القابلة للانفجار في المسار الفكري في أي لحظة. المواجهة، وليس إلا المواجهة، والمعالجة في ذات الوقت، بالطرق الحكيمة النافذة وبالأساليب التأملية الفاحصة لكل المسببات السلبية الجانحة. مع تعدد الطرق التأملية، تكمن اكتشاف الحلقة المفقودة، هذه الحلقة التي شذت عن مسارها في لحظة جنون العالم الكارثية. هذا الاضطراب الثقافي العلمي النفسي الحضاري لم يكن ليوجد ولا ليشتعل لولا الخضوع الفكري الذي انبثق في لحظة إحباط واستسلام من لدن قامات علمية وثقافية، رأت بأن المسايرة مع الجنون هي جنون أكبر منه. وهو بالتأكيد ليس بالعلاج الناجع، لكن أحيانًا تأبى بعض العقول إلا أن تغير مسارها الفكري، تشطح عن المنهجيات التي تربت عليها، وتقتل السمات التي ترعرعت فيها، بتسليمها مفاتيح عقلها وفكرها إلى وحش الأيديولوجية الخادع، واستسلامها للمتغيرات المزيفة المرتدية أقنعة التحضر العلمي والثقافي المتطور.

البؤس الفكري يتلون في هذا الزمن ويستجدي أفكارًا غريبة وعجيبة ليكون في فوهة مدفع التردي. البؤس الفكري يتماوت على استراق النظرات الخبيثة من فتحات الانفتاح على اختلال ثقافي لم يكن ليسود لولا الضعف والانقياد الذي تعيشه بعض الهامات. وكلما ازدادت وتنوعت وتشكلت الأفكار الغريبة المستنبطة من عمليات مصلحية استندت على أكتاف الاستفادة المزدوجة، يزداد البؤس في جذور الفكر ويصنع من كل تراكم جذورًا أخرى لا علاقة بها بما نشأت عليه. سلسلة معقدة من الاستقبال إلى الترجمة، نهاية بالتنفيذ. عملية المسار الفكري لا يوجد بها أي خلل أو اختلال، إنما الخلل فيما تم استقباله، كذلك الترجمة لا تناقض مسارها ولا تتعارض مع المنهج الفكري السليم. فما نستقبله هو ما يشكلنا، وهو ما يدفعنا إلى استمرارية المضي في طريق المسار الفكري المصبغ بما تم استقباله والتعامل معه وترجمته. متى يكون الاصطدام الفكري؟ يكون بين ما تم استقباله وما تم ترجمته. حيث تصر الترجمة على محاكاة نشأة وارتكاز منظومة وقاعدة وأسس العقل الواعي، فيحتار التنفيذ ويكون الاصطدام. ومن هنا تنتج الصراعات النفسية، وتضاهيها العقلية باحتدام إلى درجة يكون فيها الإنسان يعيش في عالم آخر لا يفسر.

ولا يستبعد مع هذه الاستمرارية العقلية النفسية الكارثية أن تنتج عنها أمراضًا وحالات نفسية. وعلى هذا المنوال يقال: فلتعذر فلانًا على تصرفاته، فإنك لا تعيش ما يعيشه، ولا تدري بما مر في حياته ونمط تفكيره وظروف معيشته. البؤس الفكري يتحول إلى كائن يعيش في دماغ الإنسان، يحاكي ظروفًا، ويتعايش مع مسلمات، ويبني علاقات مع مؤثرات خارجية، بطرق لا يدركها العقل الحقيقي القابع في الاعتيادية الخلقية. البؤس الفكري يصنع مسارات وطرقًا لم ولن تخطر على البال. كل همه تحقيق بؤسه على الصورة التي ترسمها معادلات منهجيته.

وهذه المعادلات في الحقيقة طبعتها عقول خارجية أخذت على عاتقها مبدأ تحقيق تغيير الحقيقة إلى زيف، وتشويه الصورة الجميلة إلى قبح بهيئة جمال. البؤس الفكري يستمد قوته من الضعف المعاش، ويستغل المغريات ليستحوذ على أكبر قدر من الترهلات الفكرية، تلك التي تحسب بأن ما تفكر به عين العقل والصواب، بينما هو منحنيات خطيرة في طرق الفكر. إن المنظومة الفكرية الصحيحة والسليمة لا تقبل بأن يمس مسارها، سيما تلك المحصنة بدروع قوية من الفكر السليم والقيم النيرة والمبادئ الفطرية المتأسسة على نهج الحق والحقيقة. لذلك فإن البؤس الفكري لا يعد إلا أن يكون عابرًا سقيمًا في طريق الفكر السليم، ونهايته فناؤه بداية الطريق.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z