راشد بن حميد الراشدي
نؤمن أن الموت حق، وأن هذه الدنيا فانية، ولن يبقى عليها إلا وجه الله سبحانه وتعالى: "كل من عليها فانٍ، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام". لكن الحزن على فراق من نحب يدمي قلوبنا، نحن نعلم أن رحمة الله واسعة، وألا ملجأ لنا إلا الله، بالدعاء والصبر والاحتساب. ونعلم أن الموت حق، وهو الحقيقة الراسخة. ونعلم كذلك أن الحروف تعجز عن وصف الفراق كعجزها عن وصف الحب، إلا أنها سبيلنا الوحيد للتعبير عن أحزاننا وآمالنا، عن الأمس واليوم والغد.
اليوم تسقط ورقة من أوراق الحياة، كانت تحيا بين ظهرانينا؛ أب عايشت بعضًا من سنين عمره بنفسي في هذه البسيطة، عايشته في سوق سناو وفي مجالسها، حيث كان -رحمه الله- مثالًا للأخلاق العالية والشهامة والكرم، الذي تطيب بلقائه الأنفس، مع ابتسامته التي لا تفارق محياه، وقلبه الكبير الذي اختزل كل محبيه ومريديه من أقربائه وإخوانه وأصدقائه، القريب منهم والبعيد.
رحل الوالد علي بن خميس المحروقي، وحارة التل تبكي خطاه التي كان يخطوها بين بيوت أهلها مطمئنًا عليهم، حيث كان بيته ومكان سكنه طوال عقود مضت، وعود خليفين يقف شامخًا صامتًا يشهد رحيل مشايخ أهل حارة التل الذين عايش لحظات عمرهم تحت ظلاله الوارفة، وشهد حل الكثير من قضايا الولاية واجتماعات أهل الحل والربط.

رحل مع من رحلوا -رحمهم الله جميعًا- من تجار سوق سناو الذين حملوا أمانة تأسيسه من خلال الكفاح الذي عايشوه في محلاتهم لنجاح السوق، فكانوا شعلة السوق الأولى التي أوقدت تجارة ولاية سناو، حيث كانت محلاتهم مقصدًا لمعظم أهالي الولاية والولايات المجاورة، خاصة ولايات محافظة الوسطى، من خلال تجارتهم التي أسسوها في بداية سبعينيات القرن الماضي.
رحل -رحمه الله- وقد كنت معايشًا لتفاصيل تلك الأيام الخوالي من حياته، حيث كنت أوزع لهم البضائع في شاحنة صغيرة، مرورًا بمعظم محلات أهل السوق، في الفترة بين نهاية ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، عندما كنت أساعد أبي -رحمه الله- في تجارته (بيع المواد الغذائية بالجملة).
كان -رحمه الله- يسأل عن والدتي وإخوتي عندما ألتقي به، حيث كان مودًا محبًا للجميع، وابتسامته لا تفارق محياه، وحمده لله وشكره يلهج بهما لسانه في كل حين.
رحل الوالد علي بن خميس المحروقي، ولم ترحل معه الضحكة والابتسامة الطيبة. رحل، ولم ترحل معه صفاته من تواضع وإنسانية وأخلاق عالية ورحابة صدر كان يتمتع بها.
رحل، وفراقه صعب جدًا؛ لأن فقد الأحبة ليل حالك السواد. ولكن حبه لم ولن يرحل عن قلوب الجميع، فذكره وباقي أحبتنا باقٍ في أذهاننا.
رحمك الله يا صاحب الابتسامة والطيبة والأخلاق والعفوية، وجعل الجنة دارًا ومستقرًا لك. نسأل الله لك الرحمة والمغفرة، وأن يسكنك فسيح جناته، ويلهم أهلك وذويك الصبر والسلوان.
"إنا لله وإنا إليه راجعون".
