ليس كل صامت غافلًا

 

 

سلطان بن ناصر القاسمي

أحيانًا تجلس في مجلس، فتسمع حديثًا يدور من حولك، وتلاحظ نظراتٍ ورسائلَ لا يلتفت إليها كثيرون. قد تسمع كلمةً قيلت على عجل، أو ترى تصرفًا ظن صاحبه أنه مرَّ دون أن يلاحظه أحد. تبتسم، وتمضي، فيظن البعض أنك لم تنتبه، أو أنك لم تفهم ما كان يقصد.

لكن الحقيقة ليست كذلك.

فليس كل صامت غافلًا، وليس كل من تجاوز موقفًا كان عاجزًا عن الرد. هناك من يدرك كل شيء، لكنه تعلم مع الأيام أن راحة القلب أغلى من كسب كل معركة، وأن بعض المواقف لا تستحق أن نخسر بسببها أشخاصًا كانت بيننا وبينهم سنوات من المودة والعِشرة.

مع التقدم في العمر، يكتشف الإنسان أن الحكمة ليست في أن يرد على كل كلمة، ولا أن يكشف للناس كل ما يعرفه. فليس من الذكاء أن تثبت في كل مرة أنك ترى، وتسمع، وتفهم. أحيانًا يكون أبلغ رد هو أن تترك الأيام تتحدث، لأنها تقول ما لا تستطيع الكلمات قوله.

ولعل أكثر ما يدعو إلى الاستغراب أن بعض الناس يظنون أن بإمكانهم إخفاء نواياهم أو تصرفاتهم، وأن من أمامهم لا يرى شيئًا. فيتمادون في بعض المواقف، معتقدين أن الصمت دليل غفلة، بينما هو في الحقيقة اختيار. اختيار بأن تبقى العلاقة أكبر من لحظة غضب، وأن يبقى الاحترام حاضرًا رغم كل ما حدث.

التغاضي ليس ضعفًا، كما أن السكوت ليس دائمًا خوفًا. قد يكون الإنسان قادرًا على الرد، وعلى كشف كل ما يعرف، لكنه يسأل نفسه قبل ذلك: ماذا سأكسب؟ وهل تستحق هذه اللحظة أن أخسر بسببها قريبًا، أو صديقًا، أو زميلًا؟ فإذا كانت الإجابة: لا، اختار الصمت، لا لأنه لا يستطيع الكلام، بل لأنه يعرف متى يتكلم.

ومع ذلك، لا ينبغي أن يظن أحد أن الصمت يعني أن كل شيء قد نُسي. فالأيام تكشف ما تخفيه النفوس، والمواقف تُظهر معادن الناس دون أن يتكلف أحد عناء كشفها. وما يُخفى اليوم، قد يظهر غدًا من تلقاء نفسه.

ومن المؤلم أن بعض العلاقات أصبحت تُقاس بحجم المصلحة. فإذا انتهت المصلحة، انتهى معها الود. بينما العلاقات الحقيقية لا تقوم على ما نأخذه من بعضنا، بل على ما نحفظه من احترام ووفاء وصدق، حتى في أوقات الاختلاف.

لهذا، لا تتعجل في الحكم على الإنسان الصامت. فقد يكون أكثر الموجودين فهمًا، وأكثرهم إدراكًا لما يدور حوله، لكنه اختار أن يرتفع عن الدخول في كل جدال، وأن يحافظ على هدوئه قبل أن يحافظ على انتصاره.

وفي النهاية، تذكر دائمًا أن ليس كل صامت غافلًا، فبعض الصمت حكمة، وبعض التغاضي أخلاق، وبعض الردود لا تُقال بالكلمات، بل تتركها الأيام لتقولها نيابةً عنك.

الأكثر قراءة

z