الكلمة بين البناء والهدم

 

 

صاحب السمو السيد/ نمير بن سالم آل سعيد

يعرف الإنسان بكلمته، فالكلمات ليست مُجرد تعبير يقال فحسب، وإنما هي مرآة عقل صاحبها تعكس ما يحمله من فكر وقيم، وتزداد الكلمة أثرًا حين تستند إلى المعرفة والخبرة، فتتوشح برداء الحكمة وتتعزز بالأخلاق والضمير، ويعضدها رصيد من المكانة الاجتماعية التي تنمو عبر السنوات، مترسخًا اسم صاحبها من خلال انتقال فكره من حدود الذات الضيقة إلى فضاء أرحب من التأثير، فيغدو موثوقًا به، فتصغى له الآذان، ويعتد بأقواله وما يُقدمه من مضمون بما فيه من صواب.

فالكلمة عقد مُعلن بين صاحبها والناس يمنحونه على أساسه الثقة أو ينزعونها عنه. وقديمًا قال سقراط: »تحدث لأراك«، لأنه أدرك أنَّ حديث المرء نافذة يطل منها بحقيقته، وتفصح عمَّا يختزنه فكره، وما تنطوي عليه نفسه.

والصمت يظل حاجزًا يحجب حقيقة الإنسان، وقد يخفي الزيف أو الغباء أو الخبث أو الكراهية، أما الحديث فيتجلى من خلاله الوعي أو اللاوعي، ويظهر حسن التربية أو سوؤها، وصدق المشاعر أو كذبها، مهما حاول المرء إخفاء ما في مكنونه، وعندها تتضح النوايا والغايات، ويقف المرء أمام المجتمع بكلماته، فإما ترفعه وإما تنزله.

وللكلمة أثرها، فهي تسهم في الفهم الصحيح وتقود إلى الإقناع والإصلاح والحلول، أو تتحول إلى وسيلة للتضليل، وتصبح ممارسة سلبية يقصد بها الإضرار وإلحاق الأذى حين تستغل للتشهير ونشر الشائعات، فلا تكون ممارسة فكرية، بل اعتداء على الآخرين والتهجم عليهم.

والكلمة إما أن تكون نورًا يبدد العتمة ويهدي إلى الوحدة والخير والسلام، وإما أن تكون ظلامًا تعمي البصيرة وتهدف إلى الفرقة والانقسام.

فقد يتسبب الخطاب المتهور في الإساءة والتحريض، أو بث الإحباط وإثارة روح الشقاق، وقد يشعل خلافًا أو يسيء إلى أشخاص، في حين أنَّ الخطاب الرشيد قادر على تهدئة النفوس وزرع اليقين والإقناع وتصحيح المفاهيم الخاطئة.

وتتخذ السلطات موقفًا حازمًا تجاه التحريض ضد الدولة ونظام الحكم، وعند نشر الشائعات المضللة والمعلومات المغلوطة التي تثير البلبلة في الرأي العام، كما تحرص على حماية الرموز السيادية والثوابت الوطنية، ويتجسد ذلك من خلال بعض بنود قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات وقانون المطبوعات والنشر، اللذين يجرمان هذه الأفعال عند وقوعها.

وتتابع الجهات الأمنية عن كثب مثل هذه المُمارسات، ويتم ضبطها ومُساءلتها وتقديم مرتكبيها إلى العدالة، حماية للأمن والاستقرار الوطني، وصونًا للسلام المجتمعي، والمحافظة على المصلحة العامة من التعديات التي قد تصدر من بعض النفوس الضعيفة المغرضة.

وحرية التعبير لا تعني الإساءة إلى الآخرين أو التعدي على حقوقهم أو الإخلال بالنظام العام، وإنما تعني التعبير عن الرأي بوعي ومسؤولية في إطار من الاحترام والصدق، مما يسهم في حوار بناء يدعم وحدة الدولة وجهودها من أجل التقدم والازدهار.

والحديث العلني، والنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي بالكلمة والصورة، يقتضيان قدرًا من الوعي والمسؤولية، وأن يكونا أكثر نفعًا حين يصدران عن ذوي كفاءة وجدارة، لا عمن لا يفقهون ما يقحمون أنفسهم فيه.

والكلمة أمانة، وصاحبها مسؤول عنها أمام الله والوطن، وتصل غايتها حين تتحرى الصدق وتتجنب ما يثير القلاقل والدسائس والفتن، وتفقد أثرها وتنهزم حين يراد بها النيل من الحق والحقيقة.

والكلمة الواعية تدعم الوئام والاستقرار، وتضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

الأكثر قراءة

z