سيف المحروقي يسرد "رحلة العمر" بين الصحافة والاغتراب في كتاب "بين الأمواج والرمال"

 

 

 

 

◄ الكتاب يلخص خبرة ومواقف حياتية بين المجتمع وعناوين الأخبار

◄ الكتاب يتضمن صور وشهادات توثق جانبا من السيرة الذاتية العميقة

◄ تخصيص ريع الكتاب بالكامل لدعم الأعمال الخيرية والبرامج الإنسانية

 

الرؤية- مدرين المكتومية

صدر للصحفي والإعلامي سيف بن سعود المحروقي كتاب "بين الأمواج والرمال"، سيرة ذاتية، حيث لا تعد هذه السيرة الذاتية مجرد تجارب وإنما حصاد لحياة عاشها الكاتب بين الصفحات والكلمات، وبين الأخبار والحوارات، وبين وجهات النظر المختلفة.

وهذه السيرة الذاتية مليئة بالإنسانية، بدءًا مما كتبه الكاتب في الصفحات الأولى، حيث قال: "الكتاب ثمرة جهد معرفي ورسالة إنسانية، يخصص ريعه بالكامل لصالح فريق أدم الخيري، إسهامًا في دعم أعماله الخيرية وبرامجه الإنسانية، وإيمانًا بأن المعرفة حين تقترن بالعطاء تتحول إلى فعل نبيل، يعزز قيم التكافل والمسؤولية الاجتماعية في المجتمع".

ومن منطلق هذا العطاء، لا يمكنني أن أقرأ صفحاته إلا بكل حب وشغف وتقدير، وبكل إنسانية، فهي قصة إنسان عاش في هذه الحياة مليئًا بالأمنيات والآمال والطموحات، ليجد نفسه في مكان المسؤولية الكبرى، وهي مسؤولية "الكلمة"، ونزاهة الكتابة في زمن أصبحت النزاهة فيه كشيء صعب المنال.

WhatsApp Image 2026-07-21 at 5.22.28 PM.jpeg

السفر إلى الخارج

صدر الكتاب عن دار النشر والتوزيع مكتبة الروغة، بالاشتراك مع دار الحكمة - لندن 2026، ويأتي الكتاب في (353) صفحة، موزعة على (9) فصول، حيث يحمل الفصل الأول عنوان "السفر الأول". وفي هذا الفصل لم أقرأ القصة كما يجب، بل قرأتها كما كتبها، قصة العُماني الذي خرج للبحث عن حياة أخرى نحو عالم مجهول، لا يعلم إن كان سيعود أم لا. كنت أشعر بكل كلمة كتبها، بتلك التلويحة التي يلقيها العُماني المهاجر على أهله وكأنه يودعهم غير عائد أبدًا. فكما يعلم الجميع، في تلك الرحلة التي يسافر فيها العُماني نحو المجهول، يترك خلفه الكثير، ويعبر محيطات وأراض لا يعرف إن كان سيصل إلى وجهته أم لا. هذا ما حدث مع الكاتب سيف، الذي ذهب مع والده بحثًا عن حياة أكثر أمنًا وأكثر رفاه، وبحثًا عن تعليم في جزيرة "إيكروي" بتنزانيا في شرق إفريقيا. لم يسرد قصته كشخص، وإنما تحدث بحال العُماني الذي اضطرته ظروف الحياة للهجرة إلى كثير من بقاع الأرض.

في هذا الفصل، يسرد لنا كيف أن هذه الجزيرة كانت بالنسبة له ولعدد من العُمانيين بمثابة النور، حيث مارس كل من سكن فيها التجارة والمهن التي برعوا فيها. وعمل العُمانيون على ترسيخ كل مفاهيم المواطنة والثوابت الدينية، والعمل على تعليم الأبناء وبناء المساجد، حتى لا تغيب عن الأبناء الممارسات التي تعلموها في وطنهم عُمان وعاشوا عليها.

وكان هذا الفصل حميميًا جدًا؛ لما فيه من تفاصيل كثيرة، ما بين الموت والحياة، وطرق العلاج بالكي، وغيرها من المواقف، حيث انتهى برحلة العودة، التي كانت لكثير من الأسباب، أهمها، كما ذكر: ما حصل في زنجبار، وتنامي الكراهية ضد العرب، واختلاف الأوضاع السياسية في تنزانيا، وتنامي النزاعات الحدودية بين تنزانيا وأوغندا، التي لا تتوقف حتى تعود من جديد. فقد استغرقت رحلة العودة ما يقارب 21 يومًا في مياه المحيط الهندي، وهم متجهون نحو سلطنة عُمان.

عودة مشتاق إلى وطنه

يأتي الفصل الثاني، الذي حمل عنوان "على أعتاب الوطن"، حيث كان ذلك الوصول بمثابة ميلاد جديد لكل العُمانيين العائدين، ميلاد للحب والانتماء. حينها بدأ بشرح تفاصيل الطفل العُماني الذي كان يرتدي الدشداشة العُمانية ذات الزخارف الملونة عند العنق، ووصل إلى "حارة العين"، وهي أكبر حارات ولاية أدم، التي تقع وسط أشجار النخيل. وفي هذا الفصل تحدث عن أهمية السبلة، لما تمثله من تجمع للمغتربين والضيوف، والأدوار التي تقوم بها.

WhatsApp Image 2026-07-21 at 5.15.03 PM.jpeg

وتحدث الكاتب عن شخصيات كثيرة تعلم منها، وكانوا بمثابة قبطان السفينة، الذين ساهموا بصورة كبيرة في تشكيل كل شيء بالنسبة له. ثم تناول فيه أيضًا نمط الحياة اليومية في أدم، ونظام الري "الأفلاج"، وسوق أدم، ورحلة الشتاء والصيف. ولم يغب عن ذهنه نسوة أدم المرابطات، حيث لعبت النساء دورًا كبيرًا في تعزيز النسيج الاجتماعي. ومن ثم تحدث عن تشكل شخصيته، التي كانت محل افتخار واعتزاز بالنسبة له، وتحدث عن السلطان الراحل قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- ورسالته للمغتربين، حيث قال: "أيها الشعب، سأعمل بأسرع ما يمكن لجعلكم تعيشون سعداء لمستقبل أفضل، وعلى كل واحد منكم المساعدة في هذا الواجب".

أما الفصل الثالث، فحمل عنوان "طفل في ثوب رجل"، وعلى الرغم من أنني أقوم بكتابة قراءة عن هذه السيرة الذاتية الحافلة، لكنني، في الوقت نفسه، كل كلمة أقرأ عنها تتبادر إلى ذهني صورة مختلفة، وكأنني أرى المشاهد أمام عيني. هذه السيرة المدعومة بالصورة هي ذكرى حقيقية، وشاهدة على مرحلة مهمة في حياة أي عُماني، وهو ما جعلني لا أكتب فقط من أجل الكتابة عنه، وإنما لأن هناك شعورًا حقيقيًا وداخليًا في نفسي بأهمية ما ورد في هذه الرحلة. فمن طفل صغير تدهشه قطرات الندى على الأوراق، إلى رحلة شاقة عبر المحيطات، ومن ثم استقرار في وطن يحتاج إلى التعرف عليه من جديد. ولا يسعني أن أسرد كل ما ورد؛ لأنها تفاصيل تستحق أن تُقرأ على مهل وروية.

WhatsApp Image 2026-07-21 at 5.15.02 PM.jpeg

أما الفصل الرابع، فكان بعنوان "رحلة العمر"، التي افتتحها بكلمات تختصر هذا الفصل، قال فيه: "الحياة أشبه ما تكون برحلة طويلة، تبدأ بخطواتها الأولى منذ لحظة الميلاد، حيث نفتح أعيننا على عالم لا نعرف عنه شيئًا، فنخوض غمار الطفولة البريئة التي تملؤها الأحلام الصغيرة والضحكات النقية، ثم ما نلبث أن نكبر وندخل مرحلة الشباب، حيث تتسارع الخطى، وتمتلئ الدروب بالطموحات والتحديات، فننخرط في رحلة التعلم، ونبني أحلامنا على جدران الأمل، ثم نبحث عن مكان لنا في معترك الحياة، وبين العمل وتكوين الأسرة، فنغرس جذورنا في أرض الواقع، ونحمل على عاتقنا مسؤوليات تكبر معنا يومًا بعد يوم". في هذا الفصل يحكي قصته، بدءًا من الإقامة، والسكن، والزواج، والدراسة، وامتلاك جواز السفر، وغيرها من التفاصيل، لكنها تنتهي بالأسرة الكبيرة والتلاحم الأخوي.

تحديات المراحل الدراسية

أما الفصل الخامس، فحمل عنوان "عبور الصعوبات.. تحديات المراحل الدراسية"، حيث انطلق نحو هجرة أخرى للعلم. وبسبب ندرة المدارس النظامية في أدم، كانت هناك فكرة نحو التوجه للدراسة في أبوظبي، لكن العقبة كانت عدم حيازتهم لجوازات سفر، وبسبب الإجراءات والمسافات تم إلغاء السفر إلى أبوظبي، الأمر الذي جعلهم يفكرون في الدراسة في مسقط، ولم يكن متوافرًا آنذاك إلا المدرسة السعيدية، حيث التحق بها. وكانت لديه ذكرياته الخاصة مع معلميه، من بينهم الأستاذ سيد حمودة، أحد الأساتذة من جمهورية مصر العربية، معلم الموسيقى، وعمل في قيادة الفرقة الكشفية آنذاك. ومن هناك بدأ يخطط للمستقبل المهني، وفي النهاية ذهب إلى القاهرة ودرس الإعلام. وفي هذا الفصل كانت الحكاية تواصل السرد، بحيث أكمل الحديث عن مسيرة التعليم في القاهرة، والبحث عن سكن، وحياتهم التي عاشوها هناك، ومنها انتقل لاستكمال دراسته والإقامة في نيوكاسل للحصول على الماجستير.

خلاصة تجربة الحياة

أما الفصل السادس، فحمل عنوان "خلاصة تجربة الحياة". وتناول هذا الفصل الحياة العملية التي قام بها، متنقلًا من الأخبار إلى المواقف التي حصلت، والكوارث التي عاشتها السلطنة والمنطقة، بالإضافة إلى كل ما كانوا، كإعلاميين، يمارسونه آنذاك من مهام تختلف عن أي مهنة أخرى. فالصحافة والإعلام لم يكونا مجرد مهنة فقط، وإنما هما رسالة أساسية في وقت كان الحصول فيه على المعلومة صعبًا، وبأقل الإمكانيات. وهذا الفصل تحدث فيه بغزارة، كونه من الفصول الجميلة، التي من المهم على كل إعلامي وصحفي التعرف عليها.

تجربة شخصية في مجال الإعلام

أما الفصل السابع، فكان بعنوان "في قلب وزارة الإعلام"، وهنا ذكر: "وددت الإشارة إلى هذه المرحلة؛ لأنني شهدت مرحلة تأسيس عُمان الحديثة، وعايشت بناء قطاع الإعلام في سلطنة عُمان، وهي مراحل مهمة ومفصلية في تاريخ البلاد. نحن نركز على صناعة الأخبار من الناحية التقنية والأساليب، ولكن الأهم هو محتوى الأخبار، وما يعود به على عُمان، والتنمية التي تحققت، والمجالات التي شملها التغيير، وغير ذلك من الجوانب المجتمعية، لتزويد المشاهد، والمستمع، والقارئ بكل جديد، مختلف ومتفرد، وكل ما هو قادر على صناعة التغيير في بلد يسعى إلى التطور واللحاق بركب البلدان المتقدمة إقليميًا ودوليًا، مع الحرص على الاستمرار دائمًا على نهج القائد السلطان قابوس بتبني الحياد الإيجابي".

وفي هذا الفصل تحدث عن كونه مدير تحرير جريدة عُمان، ومن ثم تم تعيينه نائبًا لرئيس تحرير جريدة عُمان، وتلا ذلك أن أصبح رئيس تحريرها، والذي كان يتطلب منه تواصلًا مباشرًا مع معالي وزير الإعلام آنذاك لإرسال الصفحة الأولى من الجريدة، وكان لديه بعض الملاحظات في كثير من الأحيان للاطلاع على المواضيع الخاصة بالجريدة.

ومن هنا كان يسرد قصة العمل الصحفي، والملاحظات التي يقع فيها بعض الأحيان الصحفي، والمساءلات التي تتم عن أي منشور يعارض القوانين، وغيرها من المواضيع المتعلقة بالعمل، فهو في هذا الفصل يكشف أسرار تلك الغرفة الصغيرة التي تطل للناس كل صباح عبر صفحات متنوعة، ومواضيع وأخبار، دون أن يدركوا حجم الجهد المبذول والعمل الدؤوب لإنجازها.

الفصل الثامن، الذي حمل عنوان "بين الهوايات والمعاناة"، تحدث خلاله بكل حب وأريحية عن كل ما قام به من أدوار في حياته، وكل ما صقل مواهبه منذ الصغر وحتى مرحلة ما بعد التقاعد، بحيث تحدث عن تجاربه في الكشافة، التي ساعدته كثيرًا على أن يشارك في الكثير من المحافل الوطنية، ومشاركات خارجية، إلى جانب ما قدمته له من لياقة بدنية. وشارك في إدارة فريق نادي فنجاء، وما بعد التقاعد قام بالعودة إلى بدايته الأولى، واكتشاف المناطق، والسير بين الجبال، والتعرف على كل شيء فاته أثناء عمله في الإعلام، العالم الذي يظن الناس أنه عالم جميل وفيه الكثير، ولكنه في الحقيقة يبعد عن أشياء كثيرة، فقد تضحي بمناسبة عائلية، وقد يرحل أحدهم دون أن تودعه.

تفاصيل عن لقاء سابق بالسلطان قابوس

يأتي الفصل التاسع ليحمل عنوان "حين يتحدث التاريخ بلسان قائده"، وهنا قال في بداية الفصل: "العمل الصحفي في جوهره التزام أخلاقي قبل أن يكون مهنة، يقوم على البحث، والتحري، والتدقيق، وعلى نقل الوقائع كما هي دون تزييف أو مبالغة. ولا تقاس قامة الصحفي بعدد الصفحات التي يكتبها، ولا بعدد مرات ظهوره، بل بما يتركه من أثر مهني نزيه، وبالمسافة المتوازنة التي يحافظ عليها بينه وبين السلطة، أيًا كان شكلها أو موقعها. ومع ذلك، هناك من يقيس نجاحه بعدد لقاءاته مع الرؤساء وكبار المسؤولين، أو بقوة علاقاته مع أصحاب النفوذ وصناع القرار، بل إن بعضهم قد يعتبر فترات الاعتقال أو السجن دليلًا على القامة والموقف، وكأنها شهادة مهنية، وهناك من يعتقد أن الاقتراب من السلطة يمنح الصحفي قيمة إضافية ومكانة أعلى".

وتحدث الكاتب بإسهاب عن لقاء السلطان الراحل قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- برفقة مجموعة من الصحفيين في عام 2019، مشيرًا إلى أنه، على الرغم من أن السلطان قابوس كان يمر بظروف صحية، إلا أنه كان حاضر الذهن، متقد الحيوية، يدون أبرز ملاحظات النقاشات، ليمتد الحديث لأكثر من ساعتين.

لم يخلُ الكتاب من صور، وشهادات، وتفاصيل تثبت تلك السيرة الذاتية العميقة، ولأنني أكتب عن شخصية إعلامية تنقلت ومارست الأدوار، بالتأكيد لن أستطيع أن أوفيه حقه، أو أن أقوم بتلخيص كل تلك السيرة في صفحة واحدة، ولكنني توقفت طويلًا عند الكثير من المواقف، وعند الكثير من اللحظات، شعرت بما يشعر به وهو يكتب، وأحسست معه بكل الأحداث والتفاصيل، فالكتاب يمنحك فرصة القراءة؛ لأنه كُتب بصورة أدبية وذاتية متسلسلة، تجعل منك تحاول وتواصل القراءة دون توقف.




WhatsApp Image 2026-07-21 at 5.15.02 PM (1).jpeg
 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z