الموظف الحكومي بين عبودية الوظيفة وفوبيا التقاعد

 

 

ناصر بن سلطان العموري

nasser.alamoori@gmail.com

بين إرهاق الوظيفة اليومي والرعب من الاستقطاع المالي بعد ربع قرن من العطاء، لماذا بات التقاعد كابوسًا يؤرق الموظف الحكومي بدلًا من أن يكون مكافأة لجهوده؟ إليكم قراءة واقعية من قلب الشارع تشرح مخاوف جيل كامل.

بين جدران المكاتب الحكومية، يدور اليوم حوار صامت تملؤه الحيرة والوجوم، حوار لا تلتقطه طاولات الاجتماعات الرسمية، بل تعكسه نظرات موظفين أفنوا زهرة شبابهم في خدمة هذا الوطن. فهل يُعقل أن يتحول حلم الاستقرار إلى رحلة ترقب مجهولة؟ هؤلاء الذين خدموا لثلاثين عامًا أو يزيد، يجدون أنفسهم اليوم عالقين في معضلة سريالية؛ بين "عبودية الوظيفة" المستنزفة لصحتهم وطاقتهم، وبين "فوبيا التقاعد" التي باتت تشكل رحلة رعب حقيقية تهدد استقرارهم المعيشي والنفسي، وتطرح تساؤلًا مفزعًا: أين المفر حين تصبح الراحة عبئًا؟

إن الفلسفة التي بُني عليها قانون تقاعد صندوق الحماية الاجتماعية الحالي وضعت الموظف المدني أمام حقيقة مريرة لا مفر منها، وهي أن التقاعد يعني خسارة واقتطاعًا فوريًا يتجاوزان 30% من إجمالي الدخل الفعلي! وهذا الرقم الصادم ليس مجرد نسبة مئوية جافة في جدول اكتواري، بل هو شريان الحياة الذي يغذي أسرًا تواجه غلاءً معيشيًا طاحنًا ومتطلبات عصرية لا ترحم. فكيف يمكن لموظف خطط لحياته وبنى التزاماته بناءً على سقف مالي معين أن يستقبل خبر اقتطاع ثلث دخله في الوقت الذي تشتعل فيه الأسعار وتتضاعف فيه الالتزامات، دون أي بارقة أمل قادمة؟

المفارقة المؤلمة هنا تكمن في غياب التوازن والعدالة اللذين ينشدهما الجميع، إذ يتساءل الكثير من المراقبين والمستفيدين عن أسباب عدم الاستفادة من النماذج والتشريعات التقاعدية السخية في بعض دول الجوار، التي توازن قوانينها بين ديمومة الصناديق وحماية القوة الشرائية للمتقاعد عبر نسب استقطاع مرنة ومكافآت مجزية تضمن العيش الكريم. إن المقترحات المطروحة في الساحة المحلية بإعادة النظر في نسب الاقتطاع الحالية وتقليص حجم الصدمة المالية تبدو منطقية، فلماذا لا يُعاد النظر في سقف الاستحقاق ليكون بنسبة آمنة للموظف، وذلك لتخفيف وطأة الصدمة وجعل هذا التحول آمنًا؟

في المقابل، ما يتلقاه موظف الخدمة المدنية من مكافأة نهاية الخدمة عند مغادرته كرسيه يبدو هزيلًا وصادمًا إلى أبعد حد؛ إذ لا يحصل الموظف الحكومي سوى على مكافأة ضئيلة لا تتجاوز 12 ألف ريال عُماني! هذا المبلغ المتواضع يقف عاجزًا ومخجلًا أمام متطلبات الواقع، ولا يمكن مقارنته إطلاقًا بمكافآت نهاية الخدمة والمميزات الممنوحة لمنتسبي القطاعات العسكرية، الذين تؤمن لهم المنظومة تقاعدًا مريحًا ومستقرًا يتناسب مع طبيعة مسؤولياتهم ويليق بجهودهم، كما لا يُقارن بالقفزات المالية في القطاعات الأخرى... مكافأة نهاية الخدمة الهزيلة للموظف الحكومي تركته وحيدًا في مهب الريح، يصارع المجهول بمفرده.

وما يثير التساؤل المبرر ويبعث على المطالبة الفورية بالمراجعة، هو ذلك التباين الصارخ والواضح في المزايا المالية بين القطاع الحكومي والقطاعات الأخرى، الذي يجعل الموظف المدني يشعر بضعف موقفه المعيشي وانكسار طموحه. ولعل في ثنايا الواقع قصصًا تروي حجم هذا التناقض المذهل؛ خذ مثلًا واقعيًا يعكس عمق هذه الفجوة: مدير في إحدى الشركات الحكومية يخرج بمكافأة نهاية خدمة تجاوزت سقف الثمانين ألف ريال عُماني، لينتقل بعدها إلى شركة أخرى في القطاع الخاص بالراتب والمميزات السابقة ذاتها، وكأن شيئًا لم يكن! وفي المقابل، يحصل مدير فرع في أحد البنوك المحلية على مكافأة تبلغ 60 ألف ريال عماني، مع راتب تقاعدي مجزٍ ومضمون، بينما يقف جاره الموظف الحكومي، الذي يماثله في المؤهل والمسؤولية والجهد، عاجزًا وخائفًا من الإقدام على خطوة التقاعد؛ لأن مكافأته البالغة 12 ألف ريال عماني لن تسد رمق التزاماته المتراكمة، أو تغطي ترميم منزل تهالك سقفه، أو زواج ابن ينتظر العون، بل لن تعينه حتى على العيش حياة كريمة بعد التقاعد، وسينهوي راتبه بعد الخصم الحاد إلى مستويات مرعبة، تجعله يفضل البقاء في دوامة العمل مكرهًا على مواجهة واقع التقاعد المرير.

إن هذا التباين الحاد لا يفرز في نفوس الكفاءات سوى بيئة من الإحباط والقلق النفسي المستمر، الذي يهدد العطاء. ومن وسط هذه المعاناة الصامتة، يرفع أبناء عُمان المخلصون نداءً مفعمًا بالرجاء، يملؤه اليقين التام بالحكمة الأبوية للمقام السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- للنظر بعين الرأفة والعدالة في نظام التقاعد الحالي، وتعديله جذريًا بما يتناسب مع متطلبات هذا العصر. فالجندي المجهول في ميدان الخدمة المدنية، الذي لم يبخل يومًا بعرقه وجهده لوطنه، ينتظر اليوم تلك اللفتة الكريمة التي تنهي زمن الخوف والقلق، ليكون التقاعد محطة تكريم حقيقية وعيشًا كريمًا، لا توجسًا وخوفًا من القادم بعد عقود من العطاء.

الأكثر قراءة

z