إسماعيل بن شهاب البلوشي
لقد جبلت على التفكير كثيرًا في وطني، والبحث عن الحلول، واستقطاب الأفكار من مختلف دول العالم، ليس من باب النقد لأجل النقد، وإنما من باب الإيمان بأن عُمان تستحق أكثر بكثير مما وصلت إليه حتى الآن. فهذه البلاد لا ينقصها التاريخ، ولا الموقع، ولا السياسة المتزنة، ولا العلاقات الدولية، ولا التنوع المناخي، ولا الموروث الحضاري والثقافي، ولا حتى الإنسان القادر على البناء. ومع ذلك، لا يزال سؤال كبير يفرض نفسه: لماذا لا يزال القطاع الخاص أقل قوة مما نطمح إليه؟ ولماذا يظل القطاع الحكومي هو الوجهة التي يحلم بها الجميع؟
ربما يكمن جزء من الإجابة في طريقة تفكيرنا، وفي فلسفة بناء مؤسساتنا الحكومية ذاتها.
السؤال الذي يجب أن يُطرح بجرأة هو: هل بُنيت الوزارات والمؤسسات الحكومية من أجل الموظفين أم من أجل خدمة الناس وتطوير الوطن؟
يدخل المواطن إلى بعض المؤسسات الحكومية، فيجد أول ما يواجهه لوحة كبيرة كُتب عليها: «ممنوع الدخول لغير المصرح لهم». وهنا يبرز السؤال المنطقي: من هم المصرح لهم؟ هل الوزارة أُنشئت لكي يتبادل الموظفون الرسائل الداخلية فيما بينهم؟ أم أنها مؤسسة أُنشئت لخدمة المجتمع الذي يدفع من ماله العام رواتب العاملين فيها؟
بل إن الأمر في بعض المؤسسات تجاوز ذلك إلى مرحلة أصبح فيها المواطن يشعر بأنه شخص غير مرحب به داخل مؤسسة يُفترض أنها وجدت أصلًا لخدمته.
دعونا نقارن هذا المشهد بمؤسسات القطاع الخاص. ادخل إلى أي بنك، وهو مؤسسة تبحث عن الربح قبل أي شيء آخر، ستجد المكاتب مفتوحة، والمدير قريبًا من الموظفين، والموظفين قريبين من العملاء، والحواجز منخفضة، والتصميم مريحًا، والرؤية واضحة. الجميع يرحب بك، لأنهم يدركون أن نجاح المؤسسة يبدأ من خدمة من يدخل إليها.
وفي القطاع الخاص لا توجد جدران نفسية بين المؤسسة والناس، بينما في بعض المؤسسات الحكومية ما زالت هناك أبواب مغلقة، وممرات طويلة، وحواجز إدارية ونفسية، ومواعيد بعيدة، وإجراءات تجعل المراجع يشعر وكأنه يطلب معروفًا وليس حقًا.
المشكلة هنا ليست في الأسمنت ولا في الجدران، بل في الفلسفة التي بُنيت عليها هذه المؤسسات. فحين تُبنى مؤسسة على أساس أنها تخدم موظفيها أولًا، فإن المواطن يصبح عبئًا عليها. وحين تُبنى على أساس أنها وجدت لخدمة الوطن والمواطن، فإن كل شيء يتغير؛ يتغير البناء، وتتغير الإجراءات، وتتغير الثقافة، ويتغير الأداء.
ومن هنا يبدأ سؤال آخر أكثر حساسية: لماذا ما زلنا نخلط بين الشهادة والقيادة؟
لقد خُدعنا كثيرًا ببريق الشهادات والألقاب الأكاديمية. نعم، الشهادة ضرورة للطبيب الذي يجري عملية جراحية، وللمهندس الذي يصمم جسرًا، وللمختص في المجالات الفنية الدقيقة، وللمعلم. أما القيادة، فهي شيء مختلف تمامًا.
القيادة ليست شهادة تعلق على الجدران. القيادة رؤية، وقرار، وشجاعة، وقدرة على الإلهام، وفهم للناس، وتحمل للمسؤولية، وقدرة على تحويل الأفكار إلى نتائج.
كم من مسؤول يحمل أعلى الشهادات، لكنه عاجز عن إدارة فريق صغير؟ وكم من قائد لم يحمل سوى خبرته وتجربته، ونجح في بناء مؤسسات وإنجازات غيرت أوطانًا بأكملها؟
التاريخ البشري لم تصنعه الشهادات، وإنما صنعه القادة. ولذلك فإن أكبر خطأ إداري نرتكبه هو عندما نجعل المؤهل الأكاديمي وحده بوابة القيادة.
لقد أصبحت بعض المؤسسات تبحث عن الاسم الذي يسبق المسؤول أو يلحقه، أكثر من بحثها عن شخصيته وقدرته على الإنجاز. وكأن الحروف التي تُكتب قبل الاسم أو بعده أصبحت بديلًا عن الكفاءة، مع أن الواقع يثبت كل يوم أن القيادة مسؤولية ثقيلة لا تمنحها الشهادات، ولا تصنعها الألقاب.
إننا بحاجة إلى مراجعة حقيقية لفلسفة الإدارة الحكومية، بحاجة إلى مؤسسات مفتوحة على الناس لا مغلقة عنهم، بحاجة إلى إجراءات ترحب بالمراجع لا تنفره، بحاجة إلى قيادات تمتلك الجرأة والرؤية، لا مجرد شهادات معلقة على الجدران، بحاجة إلى أن نعيد تعريف الوظيفة الحكومية نفسها؛ فهي ليست امتيازًا ولا سلطة، وإنما خدمة عامة ومسؤولية وطنية.
وعندما يتحول هذا المفهوم إلى ثقافة، وعندما يشعر المواطن أن المؤسسة الحكومية بيته، وأن المسؤول موجود لخدمته لا ليختبئ خلف الأبواب المغلقة، وعندما نضع الرجل المناسب في المكان المناسب بعيدًا عن بريق الألقاب، عندها فقط سنكتشف أن عُمان لم تكن تفتقد الإمكانات يومًا، وإنما كانت بحاجة إلى إعادة النظر في بعض الأفكار التي تحكم طريقة إدارتنا لمؤسساتنا.
فالمعاملات الحكومية ليست أوراقًا وأختامًا فقط، وليست أبنية ومكاتب فقط، وإنما هي سلوك وفلسفة وثقافة. وإذا أردنا وطنًا أكثر تقدمًا، فعلينا أن نبدأ من هنا.
وأخيرًا، لنتعلم من القطاع الخاص أن تقديم الخدمة وسرعة إنجازها مطلب وحاجة، وليست منّة، ولكن الأماني لا تحقق ما نريد، وإنما الحوكمة المبنية على توجيه قادة، لا على توجيه لقب.
