إسماعيل بن شهاب البلوشي
ليست الأمم العظيمة هي التي تمتلك الثروة وحدها، ولا التي ترتفع فيها المباني، وتتشعب فيها الطرق، وإنما هي الأمم التي تعرف كيف تصنع القرار الصحيح. والقرار الصحيح لا يولد من فراغ، بل يقوم على ركيزتين لا غنى عنهما: العقل الذي يفكر بصدق، والقانون الذي يحمي الجميع بعدل.
فعلى امتداد التاريخ، منذ الحضارات القديمة وحتى الدول الحديثة، كان ازدهار الأمم مرتبطًا بقدرتها على استقطاب أصحاب العقول الراجحة، ممن يمتلكون الشجاعة العلمية والأخلاقية لتقديم النصيحة المجردة من المصالح الشخصية، ويستطيعون أن ينقلوا إلى صانع القرار حقيقة ما يجري في المجتمع، لا الصورة التي يرغب البعض في رسمها. وفي المقابل، كان القانون العادل هو الضمانة التي يشعر معها الإنسان أن حياته، وماله، وكرامته، وحقوقه مصونة، وأن الجميع يقفون أمام ميزان واحد لا يفرق بين قوي وضعيف.
غير أن المشكلة تبدأ عندما تنفصل النخبة عن واقع الناس.
فقد يعيش بعض الكتّاب، أو المؤثرين، أو أصحاب المكانة الاجتماعية، أو المقربين من أصحاب القرار، حياة تختلف تمامًا عن حياة عامة المواطنين. يسافرون في الطائرات الخاصة، أو بدرجات لا يعرفها أكثر الناس، ولا يختبرون ازدحام الطرق، ولا ينتظرون في المؤسسات الحكومية، ولا يقفون في طوابير المستشفيات، ولا يعيشون هموم الباحث عن خدمة، أو فرصة، أو موعد. وحين يُسألون عن أحوال المجتمع، تأتي الإجابة المختصرة التي قد تكون أشد ضررًا من أي نقد: "ما عليكم منهم… الأمور بخير".
هذه العبارة ليست مجرد رأي عابر، بل قد تتحول إلى حاجز يحجب الحقيقة عن صاحب القرار. فهي لا تنقل الواقع كما هو، وإنما تنقل واقعًا شخصيًا يعيشه قائلها، فيظن أن الجميع يعيشون المستوى ذاته من الخدمات، والرضا، والاطمئنان.
والأخطر من ذلك أن بعض هؤلاء، بدلًا من أن ينصحوا بتقريب المؤسسات من الناس، وتحسين الخدمات، وإزالة التعقيدات، وتبسيط الإجراءات، يتجهون إلى اقتراح المزيد من القيود، والعقوبات، والأنظمة الصارمة، وكأن المشكلة تكمن دائمًا في المواطن، لا في البيئة التي يعمل ويتحرك داخلها.
إن بناء الدول لا يكون بتكثير العقوبات بقدر ما يكون ببناء الثقة. والقانون القوي ليس هو الأكثر قسوة، وإنما هو الأكثر عدلًا، والأكثر قدرة على حماية الحقوق، والأكثر مساواة بين الجميع في التطبيق. فالناس يتقبلون النظام حين يشعرون بأنه يحميهم، لا حين يشعرون بأنه يثقل عليهم.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع هو أن تتسع الفجوة بين من يصنع القرار، ومن يعيش تفاصيل الحياة اليومية. فعندما تختفي الصورة الحقيقية، يصبح القرار مبنيًا على معلومات ناقصة، أو انطباعات غير دقيقة، أو شهادات من أشخاص لم يعودوا يرون ما يراه عامة الناس.
إن المجتمعات لا تحتاج إلى من يجاملها، ولا إلى من يخفي مشكلاتها، ولا إلى من يزين الواقع طلبًا للرضا أو المكانة. إنها تحتاج إلى من يقول الحقيقة كما هي، بأدب واحترام، ويقترح الحلول العملية، ويؤمن أن النقد المسؤول ليس خصومة، وإنما مشاركة في البناء.
وقد أثبت التاريخ أن الأمم التي استمعت إلى أصحاب الرأي الصادق، وفتحت أبوابها للنقد البنّاء، وراجعت قراراتها باستمرار، كانت أكثر قدرة على التطور والاستقرار. أما الأمم التي اكتفت بالأصوات التي تردد أن كل شيء على ما يرام، فقد فوجئت يومًا بأن المشكلات التي أُهملت قد تراكمت حتى أصبحت أكثر صعوبة، وأعلى تكلفة.
ومن هنا، فإن المسؤولية الكبرى تقع على كل صاحب قلم، وكل مفكر، وكل مستشار، وكل من أُتيح له أن يقترب من دوائر القرار. فالأمانة تقتضي أن ينقل الحقيقة كاملة، لا أن ينقل الجزء الذي يراه من نافذة حياته الخاصة. فالوطن لا يُدار بانطباعات الأفراد، وإنما بقراءة دقيقة لواقع المجتمع بكل فئاته.
إن كسب قلوب الناس ليس شعارًا عاطفيًا، بل هو أساس الاستقرار والتنمية. والمواطن الذي يشعر أن صوته مسموع، وأن القانون يحميه، وأن المسؤول يعرف ما يعيشه من تحديات، سيكون أكثر استعدادًا للعمل، والإبداع، والإنتاج، والتضحية من أجل وطنه. أما إذا شعر أن معاناته تُختصر في عبارة: «ما عليكم منهم»، فإن الفجوة ستتسع، وستفقد النصيحة قيمتها، ويضعف الحماس للمشاركة في صناعة المستقبل.
إن الدول القوية لا تخشى الحقيقة، بل تبحث عنها. ولا تكتفي بمن يطمئنها، بل تستمع أيضًا إلى من ينبهها. فالحقيقة قد تكون مؤلمة في لحظتها، لكنها دائمًا أقل كلفة من تجاهلها. وهذا هو الفارق بين مجتمع يصنع المستقبل بعقول صادقة، وقانون عادل، ومجتمع يكتفي بالاطمئنان إلى صورة قد تبدو جميلة، بينما الواقع ينتظر من يراه كما هو.
