إسماعيل بن شهاب البلوشي
حين نتحدث عن الطرق في وطني، فإننا نتحدث عن واحدة من أعظم قصص النجاح التنموية في عُمان؛ فمن النادر أن يزور عُمان أحدٌ دون أن يتحدث بإعجاب عن مستوى شبكة الطرق فيها، وعن ذلك الإنجاز الذي جعل بلادنا تتقدم إلى مراتب عالمية متقدمة في جودة البنية الأساسية. ونحن، كمواطنين، نفخر بهذا الإنجاز ونعتبره أحد الوجوه الحضارية المشرقة لعُمان الحديثة.
ومع هذا الفخر، فإن حب الوطن لا يعني الصمت عن الملاحظات، بل إن أسمى صور المواطنة أن نشير إلى ما يحتاج إلى مراجعة وتطوير، لأن الهدف النهائي هو الوصول إلى الأفضل دائمًا.
ومن هذا المنطلق، أتوجه اليوم برسالة إلى المسؤولين في وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، بشأن طريق أدم - هيماء - ثمريت، ذلك الطريق الذي لا يخدم محافظة بعينها، بل يعد أحد أهم الشرايين البرية في سلطنة عُمان، وواجهةً دولية تمر عبرها حركة المواطنين والمقيمين والشاحنات والزوار من دول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية الأخرى.
إن هذا الطريق لا يستحق أن يكون خارج دائرة الأولويات، ولا أن تنتظر بعض أجزائه سنوات طويلة حتى تجد المعالجة المناسبة. فالتنمية المتوازنة تعني أن يشعر كل مواطن بأن الطرق التي يستخدمها يوميًا تحظى بالاهتمام نفسه، سواء كانت تمر بالقرب من المدن الكبرى أو في عمق الصحراء.
وسؤالي المباشر اليوم: إلى متى ستبقى الجسور القائمة على هذا الطريق بالشكل الحالي؟
لقد أصبحت هذه الجسور، بحكم البيئة الصحراوية المحيطة بها، نقاطًا لتجمع الرمال والغبار بصورة مستمرة، الأمر الذي يستنزف الجهد والمال، ويشكل خطرًا دائمًا على مستخدمي الطريق. كما أن شرطة عُمان السلطانية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في التعامل مع هذه المشكلة ومتابعتها بشكل مستمر، وهي جهود تستحق الشكر والتقدير.
لكن السؤال الأهم: هل الحل الحالي هو الحل الأمثل؟
لقد كنت، وما زلت، أؤمن بأن الإنسان والمؤسسات قد تجتهد فتخطئ، ثم تراجع نفسها فتصل إلى الأفضل. وليس في ذلك أي انتقاص من الإنجاز أو تراجع عنه، بل على العكس تمامًا؛ فالشجاعة الحقيقية هي الاعتراف بأن هناك خيارًا أفضل عندما تظهر الوقائع ذلك.
إن فكرة الجسور للعودة على هذا الطريق -من وجهة نظري- أثبتت، مع مرور الزمن، أنها لم تحقق الغاية المأمولة بالشكل المطلوب، بل أضافت تحديات جديدة، سواء من حيث تراكم الرمال، أو ارتفاع تكاليف الصيانة، أو المخاطر المرورية التي قد تنتج عن ذلك.
ومن هنا أطرح اقتراحًا أراه عمليًا وقابلًا للدراسة: الاستفادة من الأنفاق الحالية بطريقة مرورية جديدة، بحيث يتم تحويل مسارات العودة يمينًا ويسارًا دون الحاجة إلى صعود المركبات إلى الجسور، مع إعادة تنظيم الحركة المرورية بشكل فني يحقق السلامة والانسيابية في الوقت نفسه.
وتكلفة مثل هذا التعديل قد تكون أقل بكثير من استمرار معالجة المشكلة الحالية لسنوات طويلة، كما أنه سيقلل من تراكم الرمال، ويخفف الأعباء التشغيلية، والأهم من ذلك أنه سيحافظ على أرواح الناس. وإلغاء بعض الحلول السابقة عندما يثبت وجود بديل أفضل لا يعد تراجعًا، بل هو شجاعة إدارية تستحق الإشادة. فالتاريخ لا يتذكر من تمسك بقراره رغم وضوح مشكلاته، بل يتذكر من امتلك الجرأة لتصحيح المسار.
ولذلك فإنني أقول للمسؤولين في وزارة الطرق: إذا أعدتم النظر في هذه الجسور، ووجدتم أن تعديل المسارات والاستفادة من الأنفاق القائمة هو الحل الأنسب، فإن الناس لن تنظر إلى ذلك على أنه اعتراف بخطأ، بل ستراه دليلًا على المرونة والكفاءة وحسن الإدارة.
إن الاعتراف بالخطأ ليس ضعفًا، بل هو قمة الثقة بالنفس، وقمة الثقة بالمؤسسة، وقمة الثقة بأن الهدف الأسمى هو خدمة الإنسان العُماني وحماية حياته. وسيظل الإنجاز الحقيقي في أي مشروع ليس فقط في إنشائه، بل في القدرة على تطويره وتصحيحه كلما اقتضت المصلحة العامة ذلك.
وهذا ما نأمله دائمًا من مؤسسات وطننا العزيز… أن تبقى شجاعة في قراراتها، عظيمة في إنجازاتها، وقريبة من نبض الناس واحتياجاتهم.
ثم إنني لاحظت في أعمال الطريق بين هيماء وثمريت أنه لا توجد مسافة للعودة بين الطريقين، وإنني أتمنى ألا يكون مهندسٌ ما قد استطاع إقناع الجميع بأن العودة ستكون بقطع الطريق إلى الجهة الأخرى، مُكررًا مآسي الطريق بين عبري والبريمي.
ثم إن الوصلة المتبقية بين هيماء وأدم يكفيها كتابة تحويلة منذ ثلاثة أعوام، في حين أنها لمسافة 35 كم، نصفها مرصوف، والباقي فقط وضع الأسفلت. ولأن الطريق في هذا الموسم لن يكون متاحًا كطريق مزدوج، أتمنى أن يُعاد النظر في اقتراحي السابق بتحويل الشاحنات إلى طريق مرمول مباشرةً من بعد هيماء.
