إسماعيل بن شهاب البلوشي
لا أنسى، ولن ينسى كثيرون، الأيام التي كانت فيها غلا الصناعية مكانًا بعيدًا عن قلب مسقط. كانت رحلة الوصول إليها تستغرق وقتًا طويلًا عبر شارع السلطان قابوس، وكانت الفكرة من اختيار الموقع واضحة ومنطقية؛ أن تكون منطقة مخصصة للصناعات والورش، بعيدًا عن الكثافة السكانية، بما يحقق التوازن بين التنمية الصناعية والبيئة العمرانية.
في ذلك الوقت، كان القرار صائبًا، وكانت الدولة تبني للمستقبل وفق المعطيات التي كانت أمامها.
لكن المدن لا تبقى كما هي، والدول الناجحة لا تتوقف عن النمو.
كبرت مسقط، واتسعت عمرانًا وسكانًا، وجاء الطريق السريع ليجعل غلا الصناعية محاطة بأهم شريانين مروريين في العاصمة. وأصبح الموقع، الذي كان يومًا في أطراف المدينة، في قلبها تمامًا، محاطًا بالأحياء السكنية، والمراكز التجارية، والمؤسسات الحكومية، والاستثمارات الكبرى.
وهنا بدأ السؤال الكبير.
هل بقيت غلا الصناعية تؤدي الدور الذي أنشئت من أجله؟
أم أن الزمن تجاوز الفكرة، وأصبح الموقع يستحق وظيفة حضرية مختلفة تتناسب مع قيمته ومكانه؟
قبل سنوات، استبشر المستثمرون خيرًا عندما أعلنت الجهات الحكومية عن توجهات جديدة تسمح بإعادة تشكيل المنطقة، والانتقال بها إلى مرحلة عمرانية مختلفة، مع فتح المجال لمبانٍ مرتفعة واستثمارات حديثة تواكب تطور العاصمة.
ولأن المواطن والمستثمر يأخذان الإعلان الحكومي على محمل الثقة، بدأت حركة شراء وبيع واسعة، وضُخت ملايين الريالات في الأراضي والعقارات، ورسم كثيرون خططهم على أساس أن المنطقة مقبلة على تحول تاريخي.
لكن…
مرت السنوات.
وتجمدت الأموال.
وتوقفت الأحلام.
وبقيت المنطقة معلقة بين ماضٍ لم يعد يناسبها، ومستقبل لم يولد بعد.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
فالاستثمار لا يخشى القرار، حتى وإن كان صعبًا، لكنه يخشى الغموض.
ورأس المال يستطيع أن يتكيف مع أي تنظيم جديد، لكنه لا يستطيع أن يعيش سنوات طويلة في انتظار قرار لا يأتي.
إن أسوأ بيئة للاستثمار ليست البيئة التي تفرض قيودًا واضحة، وإنما البيئة التي لا يعرف فيها المستثمر ماذا سيكون غدًا.
واليوم، عندما يمر الإنسان بغلا الصناعية، يشعر أنها تعيش حالة من التردد.
لا هي منطقة صناعية مكتملة.
ولا هي منطقة تجارية حديثة.
ولا هي حي سكني منظم.
ولا هي مشروع حضري متكامل.
بل أصبحت مزيجًا من الورش، والمخازن، وسكن العمال، والاستثمارات المجمدة، والمباني التي تنتظر مصيرًا مجهولًا.
وهذا لا يليق بموقع يُعد من أغلى المواقع الاستراتيجية في محافظة مسقط.
فالأرض هناك ليست مجرد قطعة أرض.
إنها تقع بين أهم الطرق، وفي قلب العاصمة، وتمثل فرصة اقتصادية هائلة يمكن أن تضيف قيمة كبيرة للاقتصاد الوطني إذا وُضعت لها رؤية واضحة ونهائية.
ولا أتحدث هنا عن تغيير لمجرد التغيير.
ولا عن إزالة الصناعات دون بديل.
بل أتحدث عن حق المستثمر والمواطن في معرفة الحقيقة.
هل ستبقى غلا الصناعية منطقة صناعية لعقود قادمة؟
إذا كانت الإجابة نعم، فليصدر القرار النهائي، ولتُحدَّث البنية الأساسية، وتُنظَّم الاستخدامات، ويُسمح للمستثمرين بالبناء والتطوير دون انتظار.
أما إذا كان المخطط هو تحويلها إلى منطقة تجارية أو عمرانية حديثة، فليُعلن ذلك بوضوح، مع جدول زمني محدد، وتعويضات عادلة إن استلزمت، وخطة تنفيذ يعرفها الجميع.
أما أن يبقى الناس بين إعلان قديم، وواقع مختلف، وانتظار مفتوح، فهذا ليس في مصلحة أحد.
لقد تعودنا في سلطنة عُمان أن تكون الرؤية واضحة، وأن تكون الدولة صادقة مع مواطنيها، ولذلك فإن هذا الملف يستحق أن يخرج من دائرة الإشاعات والتوقعات إلى دائرة القرار الرسمي المعلن.
ومن هنا أتوجه بسؤال مباشر إلى وزارة الإسكان والتخطيط العمراني، وإلى محافظة مسقط:
ما هو المستقبل الحقيقي لغلا الصناعية؟
هل هناك مخطط نهائي معتمد؟
وهل ما زالت المنطقة مؤهلة لتكون صناعية كما كانت قبل أربعين عامًا، رغم أن المدينة تجاوزتها عمرانًا وسكانًا؟
أم أن الوقت قد حان لتولد غلا الجديدة، بصورة تليق بموقعها، وبالعاصمة، وبطموحات عُمان في العقود القادمة؟
إن المدن العظيمة لا تتطور بالمباني وحدها، وإنما تتطور بوضوح القرار.
والاستثمار لا يبحث فقط عن الأرض، بل يبحث عن الثقة.
والثقة تبدأ بكلمة واحدة...
الوضوح.
إن غلا الصناعية اليوم لا تحتاج إلى المزيد من الصمت، بل تحتاج إلى إجابة رسمية صريحة، يعرفها الجميع، حتى يتحرك المستثمر، ويطمئن المالك، وتكسب العاصمة مشروعًا حضريًا جديدًا، أو تستعيد منطقة صناعية حديثة بمعايير تواكب القرن الحادي والعشرين.
أما أن يبقى المكان معلقًا بين الأمس والغد، فذلك ليس عدلًا للأرض، ولا للمستثمر، ولا لمسقط التي اعتادت أن تكون سباقة في التخطيط، لا متأخرة في حسم القرارات.
