د. هبة العطار
ليست الدولة الذكية هي التي تشيد الطرق والجسور والمناطق الصناعية فحسب، ولا التي تمتلك الموارد والثروات وحدها، وإنما هي الدولة التي تحسن ترتيب أولوياتها، فتدرك أن كل مشروع تنموي، وكل إنجاز اقتصادي، وكل تقدم علمي، وكل استقرار اجتماعي، يبدأ من الإنسان.
فالإنسان هو الثروة الحقيقية التي تزداد قيمتها كلما استثمرت الدولة في بنائها، وهو نقطة الانطلاق نحو أي نهضة مستدامة، والجامعة هي المؤسسة التي تتولى هذه المهمة، فهي لا تمنح شهادة علمية فحسب، وإنما تعيد تشكيل العقل، وتمنحه أدوات التفكير، وتفتح أمامه آفاق المعرفة، وتغرس فيه منظومة القيم التي ترافقه طوال حياته. ومن هنا، لم تعد الجامعة في عالم اليوم مجرد مؤسسة تعليمية، بل أصبحت مؤسسة استراتيجية تصنع رأس المال البشري الذي تعتمد عليه الدولة في جميع قطاعاتها.
وإذا كانت الدول تتنافس في امتلاك التكنولوجيا والموارد، فإن التنافس الحقيقي أصبح في امتلاك العقول القادرة على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى تنمية، وهو ما يجعل الجامعة نقطة الانطلاق الحقيقية نحو بناء الدولة الحديثة. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه الدول ليس: كم ننفق على الجامعة؟ وإنما: ماذا سيكون ثمن المستقبل إذا لم نستثمر في بناء الإنسان الذي تصنعه الجامعة؟
في سياق هذه المنظومة يقف أستاذ الجامعة، لا بوصفه موظفًا يؤدي عملًا أكاديميًا، وإنما بوصفه صانعًا للعقول، ومهندسًا للوعي، وشريكًا في صناعة المستقبل، فهو لا ينقل المعلومات فحسب، بل يعلم طلابه كيف يفكرون، وكيف يناقشون، وكيف يحللون، وكيف يميزون بين الحقيقة والزيف، وبين المعرفة والشائعة، وبين الرأي الموضوعي والانفعال، وبين الانتماء الصادق والشعارات الجوفاء.
وفي سنوات الدراسة الجامعية تتكون القناعات الكبرى، وتتبلور الشخصيات، وتتحدد الاتجاهات الفكرية والوطنية، وهنا تتجلى القيمة الحقيقية للأستاذ الجامعي الذي يغرس حب الوطن، واحترام القانون، وثقافة العمل، وروح الإبداع، وقيم المسؤولية، فالطالب قد ينسى كثيرًا مما درسه، لكنه لا ينسى أبدًا أستاذًا ألهمه فكرة، أو غرس فيه قيمة، أو فتح أمامه أفقًا جديدًا، أو غير مسار حياته، لأن الأثر الحقيقي للأستاذ لا يقاس بما يقدمه داخل قاعة المحاضرة، وإنما بما يتركه في العقول التي ستقود المجتمع، وتصوغ قراراته، وترسم مستقبله بعد سنوات.
إن قيمة أستاذ الجامعة لا تقاس بعدد المحاضرات التي يقدمها، ولا بعدد الأبحاث التي ينشرها فحسب، وإنما بما يتركه من أثر في العقول التي يصنعها، وفي الأجيال التي يشارك في تشكيل وعيها، فهو الحلقة التي تصل بين المعرفة والمجتمع، وبين الفكر والتطبيق، وبين العلم والتنمية. ولذلك فإن تقدير أستاذ الجامعة ليس تقديرًا لشخصه وحده، وإنما هو تقدير للعلم، وللبحث، وللعقل الذي يصنع الإنسان، وإعلان صريح عن المكانة التي تحتلها المعرفة في المشروع الوطني للدولة، والدولة التي تعلي من مكانة أساتذة جامعاتها إنما ترسل رسالة واضحة إلى المجتمع بأن التفوق العلمي قيمة، وأن المعرفة طريق، وأن بناء الإنسان هو الركيزة التي تقوم عليها جميع مشروعات التنمية، لأن الجامعة ليست مؤسسة تخرج طلابًا فحسب، بل تخرج قادة، ومفكرين، وباحثين، وأطباء، ومهندسين، وإعلاميين، وقضاة، وصناع قرار، يحمل كل منهم جزءًا من مسؤولية بناء الوطن.
لم تعد الجامعات في القرن الحادي والعشرين مؤسسات للتعليم فقط، بل أصبحت محركات للاقتصاد الوطني، ومراكز لإنتاج المعرفة والابتكار، وشركاء في التنمية المستدامة، فمكانة الجامعات عالميًا لم تعد تقاس بحجم مبانيها أو عدد قاعاتها، وإنما بجودة البحث العلمي، وتأثيره، والابتكار، وبراءات الاختراع، والشراكات الدولية، وإسهام الجامعة في خدمة المجتمع والاقتصاد، كما أصبحت الجامعات الرائدة حاضنات للشركات الناشئة، ومراكز لنقل التكنولوجيا، وبيوت خبرة تسهم في صياغة السياسات العامة، وتقدم الحلول العلمية للتحديات التي تواجه الدول، وكل ذلك يبدأ من أستاذ جامعي يقرأ، ويبحث، ويكتب، ويبتكر، ويقود منظومة البحث العلمي، ويعد أجيالًا جديدة من الباحثين والمبدعين. ولذلك فإن الجامعة لم تعد مجرد مؤسسة تعليمية، بل أصبحت أحد أهم روافع القوة الشاملة للدولة، ومصدرًا من مصادر قدرتها على المنافسة والريادة في عالم تحكمه المعرفة.
لا يكتب تاريخ الأمم فقط من وقفوا فوق منصات القرار، وإنما يكتبه أيضًا أولئك الذين وقفوا داخل قاعات المحاضرات، يغرسون الفكر، وينشرون العلم، ويصوغون الوعي، فكل قرار عظيم، وكل مشروع تنموي ناجح، وكل إنجاز علمي أو اقتصادي، يسبقه عقل أُحسن بناؤه، وحين يصبح تقدير أستاذ الجامعة جزءًا من ثقافة المجتمع قبل أن يكون قرارًا من الدولة، نكون قد وضعنا الأساس الحقيقي لمستقبل لا يصنعه المال وحده، وإنما يصنعه العقل القادر على تحويل المعرفة إلى قوة، والإنسان إلى قيمة، والوطن إلى مشروع نهضة مستدامة.
