القلوب ليست للتلقين

 

 

د. هبة العطار

الحب ليس مهارة تُكتسب، ولا وصفة تُحفظ، ولا سلوكًا يُعاد تشكيله كلما ظهرت نظرية جديدة، إنه جزء من الفطرة التي أودعها الله في الإنسان، والفطرة لا تقبل العبث، لأن كل محاولة لإعادة تشكيلها لا تصنع إنسانًا أكثر وعيًا، بل تصنعه أكثر ارتباكًا، وأكثر انفصالًا عن نفسه. ولهذا لم يكن غريبًا أن يصبح الحب، في السنوات الأخيرة، واحدًا من أكثر المعاني تعرضًا للتشويش، مع الانتشار الهائل لمواقع التواصل الاجتماعي، وكثرة من يقدمون أنفسهم على أنهم خبراء في العلاقات العاطفية والأسرية، أو مدربو حياة، فيقدمون النصائح، ويضعون القواعد، ويرسمون للناس كيف يحبون، وكيف يشتاقون، وكيف يعبرون عن مشاعرهم، وكأن العلاقات الإنسانية أصبحت وصفة واحدة تصلح للجميع، وكأن القلوب فقدت قدرتها على الاهتداء إلى فطرتها.

لم يعد الناس يكتفون بأن يعيشوا مشاعرهم، بل أصبحوا ينتظرون من يخبرهم كيف يجب أن يشعروا، فكل يوم يخرج علينا من ينصب نفسه خبيرًا في الحب والعلاقات، يضع القواعد، ويقدم الوصفات، ويخبرنا متى نعبر، ومتى نصمت، ومتى نقترب، ومتى نبتعد، حتى أصبح كل من امتلك هاتفًا، وكاميرا، وحسابًا على مواقع التواصل يمنح نفسه حق الحديث باسم الحب، ويصنع قوالب جاهزة يحاول أن يصب فيها البشر: هذا يصلح للارتباط، وهذا لا يصلح، وهذه امرأة عالية القيمة، وهذا رجل سام، وهذا نرجسي، وهذه تعاني تروما، حتى تحولت العلاقات الإنسانية، بكل ما فيها من خصوصية وتعقيد، إلى تصنيفات سريعة وأحكام نهائية، بينما الإنسان أكبر من أن يُختزل في مصطلح، والعلاقة أعمق من أن يُحكم عليها من خلال مقطع لا يتجاوز دقيقة، والأخطر من ذلك أن كثيرًا ممن يتصدرون هذا المشهد لا نعرف ما المرجعية العلمية التي يتحدثون منها، وهل درسوا علم النفس أو الإرشاد الأسري دراسة حقيقية، أم أن الأمر لا يتجاوز قراءة بعض الكتب، ثم الوقوف أمام الكاميرا بثقة توحي بأنهم يملكون مفاتيح القلوب جميعًا.

المشكلة ليست في النصيحة نفسها، بل في الأثر الذي تتركه مع كثرة التكرار، فالفكرة حين تُسمع مرة قد تمر، لكنها حين تتكرر كل يوم بصوت واثق، وأسلوب مقنع، تتحول تدريجيًّا إلى قناعة، حتى نظن أنها خرجت من داخلنا، بينما هي في الحقيقة زُرعت في وعينا مع الوقت، وهكذا يبدأ الإنسان في تفسير كل ما يعيشه من خلال تلك القوالب الجاهزة، فيبحث في كل تصرف عن النرجسية، وفي كل خلاف عن التروما، وفي كل اختلاف عن السمية، وكأن العلاقات الإنسانية فقدت مساحتها الطبيعية، وأصبحت محاكمات مستمرة، لا ترى الإنسان كما هو، بل كما تصفه المصطلحات الرائجة، وهنا تكمن خطورة هذا النوع من المحتوى، فهو لا يقدم أفكارًا فحسب، بل يعيد تشكيل طريقة رؤيتنا لأنفسنا ولمن حولنا، حتى تصبح الكلمات التي يرددها الآخرون أقرب إلى يقين في عقولنا من تجاربنا الشخصية وما تعلمناه من الحياة.

هؤلاء المبرمجون للمشاعر يقدمون لنا كل يوم الوصفات الجاهزة، ككتالوج حياة، وقوانين محددة لا تقبل الاستثناء: إذا فعل الرجل كذا فافعلي كذا، وإذا قالت المرأة كذا فافعل كذا، لا تتصل، لا ترد بسرعة، تجاهل، انسحب، اختف، اجعله يشتاق، اجعلها تركض خلفك، لا تظهر اهتمامك، ولا تعبر عن شوقك، ولا تكن واضحًا حتى لا تفقد قيمتك، وكأن العلاقات تحولت إلى ألعاب نفسية ومناورات حربية، لا إلى مساحة للمودة والرحمة، وكأن نجاح الحب أصبح مرهونًا بقدرتنا على التمثيل والتصنع الواعي، لا بقدرتنا على الصدق، والحقيقة أن الحب لا يولد من كتب، ولا ينمو بمقطع قصير، ولا يمكن اختزاله في عشر قواعد ثابتة، لأن القلوب ليست نسخًا متطابقة، والبشر ليسوا آلات تعمل بالأزرار نفسها، فما يصلح لعلاقة قد يفسد أخرى، وما يطمئن قلبًا قد يخيف قلبًا آخر، ومن حق من أحب أن يعرف مكانته في قلبي، وليس من حقي أن أخفيها عنه حتى أبدو أكثر ثقلًا أو أكثر قيمة، فالتعبير عن المشاعر ليس ضعفًا، بل إحسان، والإحسان إلى من نحب من أنبل صور الحب. فإذا كنت سأخفي شوقي عمن أحب، فلمن سأقوله؟ وإذا كنت سأحسب كلماتي ولهفتي خوفًا من أن أبدو متاحًا، فأنا لا أحافظ على العلاقة، بل أستبدل الحقيقة بصورة مصطنعة عنها.

قطعًا لا أهاجم العلم، ولا أقلل من قيمة المتخصصين الحقيقيين في علم النفس أو الإرشاد الأسري، فهؤلاء لهم دور لا يمكن إنكاره، لكن ما أرفضه هو تحويل الحب إلى سلعة، تُباع في دورات، وتُسوَّق في مقاطع قصيرة، ويُعاد تغليفها كل يوم بعناوين جديدة تجذب المشاهدات أكثر مما تبني الوعي، فما قيمة علاقة يتعلم طرفاها كيف يخفون مشاعرهم أكثر مما يتعلمون كيف يفهم بعضهم بعضًا؟ وما قيمة نصيحة تجعل الإنسان يخاف من الصدق، ويحسب كلماته، ويراقب تلقائيته، ويعيش علاقته وكأنه يؤدي دورًا في مشهد كُتب مسبقًا؟ لقد أصبح الحب عند البعض مشروعًا للإدارة، لا تجربة إنسانية تُعاش، وأصبح النجاح في العلاقة يقاس بمدى إتقان الحيل، لا بمدى حضور الرحمة والصدق والطمأنينة بين القلوب.

المؤسف حقًّا الآن أن الحب، والذي يعد أكثر المشاعر عفوية في الحياة، أصبح أكثرها خضوعًا للتلقين، فلم نعد نعيش مشاعرنا كما نشعر بها، بل كما قيل لنا إنها يجب أن تكون، وأصبحنا نخشى الوضوح لأنهم أقنعونا أنه يقلل من قيمتنا، ويقتل جاذبيتنا، وأن الغموض وحده هو الذي يصنع الشغف، وأصبحنا نخاف من المبادرة لأنهم سموها اندفاعًا، ونخجل من الاهتمام لأنهم أوهمونا أنه ينتقص من القيمة، ويجعل صاحبه مكشوفًا أكثر مما ينبغي، ونرتبك من الصدق لأنهم أقنعونا أنه سذاجة لا تليق بمن يريد أن يحتفظ بمن يحب، حتى تحول الحب من شعور صادق إلى أداء محسوب، ومن عفوية جميلة إلى أدوار يتبادلها الطرفان، لكن الحقيقة أبسط من كل ذلك، فالقلوب خُلقت لتشعر، لا لتنفذ التعليمات، والحب لا يحتاج إلى وصفة، ولا إلى دليل استخدام، ولا إلى من يلقننا كيف نمارسه، بل يحتاج إلى إنسان صادق يعرف كيف يمنح من يحب الأمان، وكيف يعبر عن مشاعره دون خوف، وكيف يحافظ على إنسانيته قبل أن يحافظ على صورته، فالحب لم يكن يومًا علمًا يُحفظ، ولا معادلة تُحل، ولا استراتيجية للفوز بالطرف الآخر، بل كان وسيظل اللغة الوحيدة التي يفهمها القلب قبل أن يتعلمها العقل، والتي تفسد كلما تدخلت فيها الأقنعة، وتزدهر كلما تُركت على سجيتها كما خلقها الله، صادقة، وعفوية، وإنسانية.

الأكثر قراءة

z