الطيبة ليست ضعفًا

 

 

 

سلطان بن ناصر القاسمي

من أكثر الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس أنهم يفسرون طيبة الآخرين وتسامحهم على أنها ضعف، فيمنحون أنفسهم حق التدخل في شؤونهم، أو تجاوز حدود الأدب معهم، أو فرض آرائهم عليهم. ومع مرور الوقت، يتحول حسن الخلق عند الطرف المتسامح إلى باب يظن البعض أنه يبيح لهم ما لا يبيحه مع غيره، بينما الحقيقة أن الطيبة لا تعني أبدًا غياب الشخصية، كما أن التسامح لا يعني التنازل عن الكرامة.

وليس المقصود من طرح هذه القضية أن كل الناس كذلك، أو أننا عايشنا جميع هذه المواقف، وإنما الغاية هي تسليط الضوء على سلوك اجتماعي يتكرر في بعض البيئات، حتى نتعامل معه بوعي، ونحافظ على علاقاتنا الإنسانية قائمة على الاحترام المتبادل.

ومن المؤسف أن بعض الناس يعتقد أن القرابة أو الألفة تمنحه الحق في السؤال عن أدق تفاصيل حياة الآخرين، أو التدخل في قراراتهم الأسرية، أو إبداء الرأي فيما لا يعنيه، وربما وصل الأمر إلى فرض وجهة نظره في كيفية إدارة شؤونهم أو تربية أبنائهم أو رسم أسلوب حياتهم، وكأن له وصاية عليهم. والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد منا على نفسه: هل أرضى أن يتعامل الآخرون معي بالطريقة نفسها؟

ولعلنا نرى أمثلة على ذلك في حياتنا اليومية؛ فهناك من يلح في السؤال عن أمور خاصة لا يرغب صاحبها في الحديث عنها، أو يكرر الاستفسار عن أوضاعه المادية أو الأسرية، أو ينتقد قراراته الشخصية دون أن يُطلب منه ذلك، معتقدًا أن العلاقة القريبة تمنحه هذا الحق. بينما الحقيقة أن الاحترام يبدأ عندما ندرك أن لكل إنسان مساحة خاصة لا يجوز اقتحامها.

إنَّ المشكلة ليست في الشخص المتسامح، بل فيمن يفسر تسامحه تفسيرًا خاطئًا. فليس كل صامت عاجزًا عن الرد، وليس كل متجاوز عنه راضيًا بما يحدث. فكثير من الناس يختارون الصمت حفاظًا على الود، ويتجاوزون عن الأخطاء حرصًا على استمرار العلاقة، لكن ذلك لا يعني أنهم لا يشعرون بما يصدر تجاههم، أو أنهم لا يدركون حجم التجاوزات التي تقع عليهم.

ومن صور ازدواجية المعايير أن بعض الأشخاص يرفضون لأنفسهم ما يسمحون به تجاه غيرهم؛ فإذا تدخل أحد في شؤونهم استاؤوا وعدّوه تجاوزًا لحدود الأدب، أما إذا كانوا هم المتدخلين، أو صدر ذلك من أبنائهم، اعتبروه أمرًا عاديًا لا يستحق الوقوف عنده. وهنا يكمن الخلل الحقيقي، لا في الطرف المتسامح، وإنما في غياب الإنصاف واحترام خصوصية الآخرين.

إن الطيبة والتسامح من أسمى الأخلاق التي دعا إليها ديننا الحنيف، وحث عليها مجتمعنا، لكنهما لا يعنيان السماح للآخرين بتجاوز الحدود أو الانتقاص من الكرامة. فالعلاقات الناجحة لا تُبنى على كثرة التدخل، وإنما على حسن الظن، واحترام الخصوصية، وإدراك أن لكل إنسان حقه في اتخاذ قراراته وإدارة حياته.

ولعل من أهم ما يجب أن ندركه أن الضعيف الحقيقي ليس من يعفو ويصفح، وإنما من يظن أن صبر الآخرين فرصة للتمادي، ومن يعتقد أن حسن الخلق يعني غياب الموقف. فكم من إنسان اختار التغاضي حفاظًا على المحبة، وفضّل الصمت إكرامًا للعشرة، لكنه كان قادرًا على الرد لو أراد.

وقبل أن نسأل عن أمر لا يعنينا، أو نتدخل في شأن لا يخصنا، فلنسأل أنفسنا أولًا: هل نقبل أن يفعل الآخرون معنا الأمر نفسه؟ فإن كانت الإجابة: لا، فالأولى أن نحفظ للناس خصوصياتهم، وأن نصون علاقاتنا بالاحترام والتقدير. فالعلاقات الصحية لا تستمر بالمجاملات وحدها، وإنما تقوم على حدود واضحة يفهمها الجميع ويحترمونها. ووضع هذه الحدود ليس قسوة ولا جفاء، بل هو أحد أهم أسباب بقاء المودة واستمرار العلاقات؛ فالطيبة فضيلة، أما استغلالها فليس من المروءة في شيء.

الأكثر قراءة

z