حياة الناس ليست ساحة للحرب

 

 

خالد بن سالم الغساني

عندما تبدأ الحروب العدوانية بقرار سياسي أهوج، ثم تنتهي عند أبواب بيوت الناس، ومصادر أرزاقهم، وحياتهم اليومية، يكون الثمن الحقيقي قد سُدِّد من دماء أبرياء لا ذنب لهم، ومن أحلامٍ اغتيلت قبل أن تكتمل. فالقرار الذي يُتخذ في قاعات مغلقة، بمنطق القوة أو المكاسب الآنية، سرعان ما يتحول إلى ركامٍ في حارة، وأسرٍ مشرَّدة، وأطفالٍ، إن نجوا من الموت، فقدوا مدارسهم أو أحد والديهم أو ذويهم.

ما تشهده المنطقة اليوم، منذ بدء العدوان الأمريكي والإسرائيلي على إيران، هو تصعيد خطير ومدان، فتح أبواب مواجهة واسعة لا أحد يعرف أين تنتهي. لكن استمرار التصعيد لا يعفي أي طرف من مسؤوليته، فلكل حرب حدود، وأول هذه الحدود أن تبقى حياة المدنيين خارج دائرة النار وفي منأى عنها.

المنشآت التي توفر الكهرباء والمياه ليست أوراق ضغط، وليست أهدافًا ينبغي إدخالها في حسابات الرد والرد المقابل. هذه المرافق تخدم الناس جميعًا، ولا تميز بين مؤيد ومعارض، ولا بين عسكري ومدني. عندما تتوقف، يدفع الثمن المرضى في المستشفيات، والأطفال والشيوخ في منازلهم، والأسر التي تبحث عن ماء أو كهرباء، لا صناع القرار ولا قادة الجيوش.

تعتمد معظم دول الخليج على محطات التحلية لتأمين مياه الشرب، وعلى شبكات كهرباء مترابطة تقوم عليها كل الخدمات الأساسية. أي اعتداء على هذه المنشآت لا يبقى أثره داخل حدود الدولة المستهدفة، وإنما ينعكس على المنطقة كلها، ويضيف عنصرًا جديدًا من عدم الاستقرار.

إن قيمة أي موقف أخلاقي في زمن الحرب تُقاس بقدرته على حماية من لا يحملون السلاح، ومن لا علاقة لهم بإشعالها. فالمدنيون ليسوا طرفًا في القرارات التي تشعل الصراعات، ولا ينبغي أن يتحولوا إلى وسيلة للضغط أو الانتقام. وحين تُستهدف المرافق التي تحفظ للناس حقهم في الماء والكهرباء والعلاج والتنقل، تكون الحرب قد فقدت آخر ما بقي لها من ضوابط، ويتحول الصراع إلى معاناة جماعية يدفع ثمنها الأبرياء.

والأخطر أن استهداف البنية الأساسية قد يتحول إلى قاعدة جديدة في إدارة الصراعات. وعندها لن يكون هناك بلد يستطيع أن يطمئن إلى أن محطات الكهرباء، أو منشآت المياه، أو الموانئ، أو المطارات، ستبقى بعيدة عن الصواريخ. وما يبدأ في دولة قد يتكرر في أخرى؛ لأن الحروب لا تعرف الثبات عند حد معين، وتتسع كلما غابت الضوابط.

قد يختلف الناس في تقييم أسباب الحرب، وفي تحديد المسؤوليات السياسية، لكن لا ينبغي أن يختلفوا حول حق المدنيين في الحياة الآمنة. هذا حق لا يسقط بتغير المواقف، ولا يتبدل بتبدل التحالفات. فمن يرفض استهداف المدنيين في مكان، عليه أن يرفضه في كل مكان. ومن يدين تدمير البنية الأساسية عندما يقع على حلفائه، عليه أن يدينه أيضًا عندما يقع على خصومه.

لا أحد يكسب عندما تصبح الكهرباء هدفًا، أو عندما تتحول المياه إلى وسيلة ضغط. فالدمار لا يميز بين الجنسيات، والعطش لا يسأل عن المواقف السياسية، والظلام لا يعرف حدود الدول.

المنطقة لا تحتاج إلى توسيع ساحات الحرب، وإنما إلى إعادة رسم الخطوط التي تمنعها من الانزلاق إلى الفوضى الشاملة. وإذا كانت الجيوش تتقاتل، فلتبقَ حياة الناس خارج المعركة. هذه صرخة للدفاع عن الحد الأدنى من الإنسانية الذي يجب ألا يسقط تحت أي بند أو مبرر، حتى في زمن الحروب.

أوقفوا هذا الدمار، واكبحوا نزعات العدوان قبل أن تحرق الجميع.

الأكثر قراءة

z