من أين يبدأ إكرام الضيف؟ ثقافة نحتاج إلى إحيائها

 

 

سلطان بن ناصر القاسمي

ما إن تبدأ مناسبة فرح أو عزاء، حتى يتجه كثير من الحاضرين تلقائيًا إلى الصفوف الأولى، وكأن السباق ليس إلى مشاركة أصحاب المناسبة مشاعرهم، بل إلى حجز أقرب مقعد. وبعد دقائق يصل ضيفٌ قطع مسافة طويلة من ولاية أو محافظة أخرى، فيقف مترددًا يبحث عن مكان يجلس فيه، بينما ينشغل أصحاب المناسبة بالاعتذار، وإعادة ترتيب المجلس، وإفساح المقاعد. مشهد يتكرر كثيرًا، لكنه يستحق أن نتوقف عنده؛ لأنه يمس قيمة اجتماعية أصيلة طالما تميز بها مجتمعنا، وهي إكرام الضيف.

ولا يُقصد بهذا الحديث التمييز بين الناس أو التقليل من شأن أحد، فجميع الحاضرين محل احترام وتقدير، ولكن لكل مناسبة آدابها، ولكل مجلس أعرافه التي توارثها الناس جيلًا بعد جيل. ومن تلك الأعراف أن تُترك المقاعد الأمامية للضيوف القادمين من خارج المنطقة، وكبار السن، ومن لهم حق التقدير، ليشعروا منذ اللحظة الأولى بأن حضورهم موضع ترحيب واعتزاز.

ولطالما كانت مجالس الأفراح والأتراح مرآةً لأخلاق المجتمع، ففيها لا تظهر الضيافة في وفرة الطعام أو كثرة كلمات الترحيب فحسب، بل في التفاصيل الصغيرة التي قد لا يلتفت إليها الكثيرون. فالابتسامة، والاستقبال الحسن، والإشارة إلى المكان المناسب، والحرص على راحة الضيف، كلها رسائل صامتة تعكس أصالة المجتمع وكرم أهله. ومن هنا يمكن القول إن إكرام الضيف يبدأ من المقعد الذي نتركه له قبل أن نجلس نحن.

ومع الأسف، نرى في بعض المناسبات امتلاء المقاعد المخصصة للضيوف بأقارب أصحاب المناسبة، أو جيرانهم، أو أبناء المنطقة، فيجد الضيف القادم من بعيد نفسه يبحث عن مكان، أو يضطر أصحاب المناسبة إلى الطلب من بعض الحاضرين إفساح المقاعد، وهو موقف قد يسبب لهم حرجًا لا داعي له، ويمكن تجنبه بسهولة لو تحلّى الجميع بقليل من الوعي وحسن التقدير.

ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه لأصحاب المناسبة هو أن نعينهم قبل أن يطلبوا ذلك. فالقريب، والجار، وابن القرية، ليسوا أقل مكانة، لكنهم الأقدر على التنازل عن المقاعد الأولى؛ لأنهم أصحاب الدار، ويعرفون أهل المناسبة، ويمكنهم الجلوس في أي مكان دون أن ينقص ذلك من قدرهم شيئًا. أما الضيف القادم من مكان بعيد، فإنه يستحق أن يجد مقعدًا يليق بعناء حضوره، ويشعره بأن قدومه كان محل تقدير واهتمام.

ولعل ما يدعو إلى التفاؤل أن مثل هذه الممارسات لا تصدر -في الغالب- عن سوء قصد، وإنما عن غفلة عن آداب المجالس أو استعجال في اختيار المقاعد. ولهذا فإن نشر الوعي بهذه الثقافة أولى من توجيه اللوم أو الانتقاد، فالرقي الحقيقي لا يقاس بالمكان الذي نجلس فيه، وإنما بالمساحة التي نتركها لغيرنا احترامًا وتقديرًا.

إن إحياء ثقافة إكرام الضيف مسؤولية مجتمعية يشترك فيها الجميع، فهي لا تبدأ عند باب المجلس، ولا تنتهي عند كلمات الترحيب، بل تبدأ منذ اللحظة التي نختار فيها أن نقدم غيرنا على أنفسنا. ففي الأفراح كما في الأتراح، تبقى الأخلاق هي الزينة الحقيقية للمجالس، ويظل المقعد الذي نتركه لضيفٍ كريم رسالةً صامتة تقول: لقد جئت أهلًا، ومكانتك محفوظة، وحضورك محل تقدير.

الأكثر قراءة

z