د. محمد بن خلفان العاصمي
لم يعد هناك مُبرِّر لغلق مضيق هرمز بعد إعلان إسلام آباد وانتهاء العمليات العسكرية في المنطقة، حسبما أعلنت الأطراف المتنازعة، وبعد أن دخل الاتفاق الموقَّع بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية حيز التنفيذ، أصبحت الأزمة في مراحل الحل، رغم استمرار التوتر السياسي الذي قد يطول ويقصُر حسب التزام كل طرف ببنود الاتفاق بين الجانبين، والذي أنهى مؤقتًا الحرب، التي لم تحسم وضعًا ولم تحقق غايةً.
المهم فيما بعد الاتفاق هو ضمان انسيابية الحركة في مضيق هرمز للأسباب التي يعلمها الجميع، وخاصة الاقتصادية منها؛ فهذا الشريان الحيوي يهُم العالم كله، وليس منطقة الخليج فقط، وفكرة التأثير على الممرات البحرية في النزاعات الدولية هي بوابة لانتشار الفوضى والتأثير على اقتصاد العالم وإدخال الدول في أزمات جديدة وصراعات سياسية، لذلك كان لا بُدَّ من أن يكون المضيق وعودة الحركة فيه أحد بنود الاتفاقية الموقَّعة في إسلام آباد، وأن تلتزم الدول جميعها بما تم الاتفاق عليه على طاولة الحوار، بعد أن فشلت الصواريخ والمسيَّرات في تحقيق أهداف كل دولة.
لقد جاءت مبادرة سلطنة عُمان بفتح ممرٍّ آمنٍ في مياهها الإقليمية في مضيق هرمز كحلٍّ استراتيجي لهذه الأزمة؛ حيث إن هذا الحل عامل مساعد في ضمان عدم تصعيد الأزمة، بعد أن بدأت الحلول الدبلوماسية، وبعد أن أثمر الحوار عن توقيع اتفاقٍ مُرْضٍ للطرفين، كما أنه يفتح المجال لمواصلة الحوار وإكمال الاتفاق، ويُعطي فرصةً للوساطة وتقديم الحلول المناسبة لباقي نقاط الخلاف، أو لنقُل: النقاط التي لم يصل الطرفان إلى حلول جذرية حولها، مثل اليورانيوم المخصب والعقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران.
إن مبادرة الممر البحري الآمن من قبل سلطنة عُمان تمثل حنكة سياسية كبيرة، وتنُمُّ عن قدرة عالية على تحليل المخاطر والنظرة بعيدة المدى للتحديات التي قد تشكلها عودة أزمة المضيق، خاصة في هذا التوقيت، وما يمكن أن يحدث في حال حدوث انتكاسة في هذا الإطار، كما أن مسألة تعزيز الأمن البحري هي مسألة مهمة بحد ذاتها، فلا يمكن السماح بأن يكون الأمن البحري مصدر تهديد للدول، وأن يُستغل في الصراعات بالطريقة التي يمكن أن تُحدِث تعقيدًا أكبر للوضع، خاصةً عندما تُستخدم كورقة ضغط لصالح أحد أطراف الصراع، ولذلك كان من المهم أن تكون هناك نظرة استراتيجية شاملة لتقييم الوضع.
واحترام القانون الدولي هو التزام واجب على جميع الدول دون استثناء؛ حيث إنه هو الضامن الوحيد لعدم الدخول في أزمات وصراعات بين الدول، ومن أجل ذلك سعى العالم المُحب للسلام إلى أن يكون لهذا القانون قوة تُلزم الدول باحترامه وعدم تجاوزه، وعندما تقتنع جميع الدول بأن هذا هو السبيل لتحقيق السلام والاستقرار والأمن في العالم، سوف نرى عالمًا أفضل.
لقد أثبتت سلطنة عُمان مرة أخرى أنها سيدة قرارها، وأن سيادتها خط أحمر لا مساس به، وأنها تنتهج سياسة واضحة لا تتبدل بتبدُّل المواقف، فكما أنها لا تتدخل في شؤون الدول الأخرى، فإنها لا تقبل أن يتدخل أحد في قرارها وشؤونها، ولا تسمح لأيٍّ كان أن يُملي عليها ما تفعله وما لا تفعله، وهذا نهج نابع من ثقة كبيرة في مبادئ السياسة الخارجية للدولة، التي تشكلت عبر تاريخها الطويل وخبراتها الواسعة التي مرت بها منذ سنوات طويلة، وأصبح الجميع يعرفها جيدًا بهذا الثبات.
هذا الممر الذي أعلنت عنه سلطنة عُمان هو نموذج واضح لمعنى الثبات على المواقف، ودعم الحق بغض النظر عن أي اعتبارات سياسية ومصالح آنية، فهُنا في هذا الوطن الغاية لا تُبرِّر الوسيلة، وعندما يتعلق الأمر بحل أزمة وانفراج وضع مُعقَّد؛ فسلطنة عُمان لا تتردد في اتخاذ القرارات المصيرية اللازمة لذلك، وعندما يكون هناك أمل في الحوار والحلول السلمية، فيجب أن يُتَّبع هذا الأمل وإن كان بسيطًا، وقد يرى البعض أن القوة هي الحل الأمثل لفتح المضيق، إلّا أن الحكمة العُمانية رأت أن هناك بديلًا مناسبًا يُجنِّب المنطقة العودة إلى المواجهة العسكرية التي لم تزد الأمر إلّا تعقيدًا.
لقد أبدت سلطنة عُمان التزامًا كبيرًا بالقانون الدولي وقانون البحار الذي وقَّعت اتفاقيته، رافضةً أي إجراءات مخالفة للقانون الدولي، خاصة فيما يتعلق بإدارة المضيق، وهذا الالتزام يُفسِّر كيف أن هذا المضيق الذي تُشرف عليه سلطنة عُمان تاريخيًا، ظل أحد أكثر الممرات البحرية أمنًا واستقرارًا، وعملت سلطنة عُمان على حفظ حقوق الدول المُشاطِئة لهذا المضيق ومشاركتها في صياغة السياسات العامة لضمان العبور الآمن فيه، وهذا التعاون يعكس نظرة بعيدة المدى لسياسة مُتزِنة، تحترم دائمًا الحوار والحلول السلمية وتنبُذ العنف والصراعات.
