هل فقدنا السيطرة

 

 

د. محمد بن خلفان العاصمي

رتم الحياة سريع، لدرجة لم نعد قادرين على التخطيط لها، التغيرات متسارعة، والمدخلات ضخمة، وهناك مهام كثيرة يجب إنجازها في اليوم الواحد، تكاد تفوق قدرة البشر على ذلك، وهناك أحداث تمر بطريقة كثيفة، لدرجة أصبحنا مجبرين على متابعة كل ما يدور في العالم، ومع المتابعة لا بد من المقارنة والتحليل والتقييم، كل ذلك يتطلب جهدًا كبيرًا، واستنزافًا فكريًا، ووقتًا طويلًا، وفوق كل ذلك ما يصاحب المقارنات من إحباط وقلق وخوف وتوتر وضغط نفسي.

لو تابع كل شخص منا عداد استخدام هاتفه، وشاهد الساعات والدقائق التي يقضيها في الهاتف، خاصة وسائل التواصل الاجتماعي، لتعجب من الوقت الذي يمر عليه وهو منغمس في هاتفه، ولأدركنا إلى أي مدى أصبحنا مسجونين -بالمعنى الحرفي لهذه الكلمة- داخل هذه الأجهزة التي باتت هي حياتنا، بالمختصر، هذا الانغماس الذي لم نعد قادرين على السيطرة عليه، رغم أننا قبل ما يقارب 25 عامًا كانت حياتنا مختلفة تمامًا، بل إننا قبل ثلاثين عامًا لم نكن نتصور أن المستقبل القريب سوف يكون بهذا الشكل.

في دراسة قام بها Mingxuan Du في عام 2024م بعنوان Association between Problematic Social Networking Use and Anxiety Symptoms (العلاقة بين استخدام الشبكات الاجتماعية الإشكالية وأعراض القلق)، وجدت أن هناك ارتباطًا وثيقًا بينهما، وهناك دراسات أخرى كثيرة تثبت العلاقة بين وسائل التواصل الاجتماعي واستخدامها مع الاكتئاب والضغط النفسي، وحتى ارتفاع ضغط الدم، وغيرها من المشاكل الصحية المرتبطة بالعوامل النفسية، وهذا جانب آخر من الجوانب السلبية للتقنيات الإلكترونية الحديثة وما تحويه من تطبيقات اجتماعية.

وبحسب الإحصاءات العالمية، فإن معدل استخدام الأفراد للهواتف المحمولة يوميًا يقع بين 6 إلى 7 ساعات، يقضي منها الفرد ما بين 3 إلى 4 ساعات في وسائل التواصل الاجتماعي، هذا الوقت المستهلك في متابعة الهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية قد يكون أغلبه لا يستثمر بشكل إيجابي، بل في متابعة مستمرة لأحداث هامشية، وأخبار شخصية، ومتابعة للمشاهير، وتتبع الترندات، ومناقشات جانبية حول قضايا جدلية، وترتفع هذه المعدلات لدى الدول العربية، بحسب نفس المصادر والإحصاءات، حيث يقضي المواطن العربي وقتًا أطول في تصفح المنصات الرقمية.

هذا الانغماس المبالغ فيه لا بد أن تكون له آثار جانبية مختلفة، فكثير من هذا الانشغال تسبب في مشاكل اجتماعية كهشاشة العلاقات البينية بين أفراد المجتمع، مثل الأب وأبنائه، والزوجة وزوجها، وبين الإخوة، وبين الأصدقاء، هذه الهشاشة أفضت إلى تدهور مستوى المسؤولية لدى الفرد، وغياب الشعور بالالتزام، وعدم القدرة على بناء تواصل اجتماعي حقيقي، لقد استعاض الناس بهذه التقنيات في كثير من الأحيان بدلًا من التواصل المباشر، وحتى صلات القرابة بين أفراد العائلة الكبيرة بدأت في التحول إلى مستوى هامشي لدى البعض، بعدما كانت تحتل مكانة وأولوية في حياته.

هل فقدنا السيطرة على حياتنا بسبب هذه التقنيات التي كان من المفترض أن تكون عاملًا إيجابيًا في حياتنا؟ وهل تحولت حياتنا إلى ما يشبه الآلة التي تتحرك دون مشاعر؟ قطعًا لا يمكن إغفال ما قدمته لنا هذه التكنولوجيا من رفاهية وخدمة وتيسير في مختلف جوانب الحياة، لكن لكل شيء ضريبة، ويبدو أن ضريبة التكنولوجيا هي اختلاف نمط حياتنا، الذي بتنا نشعر به كثيرًا، خصوصًا أولئك الذين عاصروا مراحل ما قبل التحول التقني الجارف، فهم أكثر شعورًا بالتأثير والفارق الذي حدث في العالم، والذي تحول إلى قرية صغيرة تحاصرنا بتفاصيلها.

لقد فقدنا الشعور حتى بالوقت الذي بات يمر سريعًا دون إنجاز، لقد باتت ذاكرتنا قصيرة للغاية، لدرجة لم نعد نتذكر ما نتصفحه في وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد ينتبه الكثير منا لواجباته الاجتماعية تجاه الآخرين في كثير من الأحيان، ومع هذا التأثير بدأت منظومة القيم والمبادئ الاجتماعية بالتأثر، وهذا مؤشر خطير يبين أن الحياة تمضي نحو تشكيل أفراد أكثر اهتمامًا بمصالحهم الشخصية (براغماتيين)، ولهذا النمط البشري مساوئ على الحياة الاجتماعية التي يقوم أساسها على القيم والمبادئ والمشاعر الإنسانية.

علينا أن نكبح جماحنا، وأن نعيد التحكم في سلوكنا نحو هذه التقنيات، خاصة الأطفال والشباب الذين يعيشون بشكل كامل داخل هذه المجتمعات الافتراضية، ويتعاطون مع المنصات والتطبيقات والألعاب الإلكترونية في معظم يومهم، وعلينا أن نعيد لحياتنا الاجتماعية معناها الحقيقي الذي فقدته نتيجة هذا التحول، ويجب أن نكون نحن من يقود الحياة، وليس هذه التقنيات.

الأكثر قراءة

z