عائشة بنت أحمد البلوشية
كنا أطفالًا نلعب لعبة كلولوت (الغميضة)، حيث يركض كل واحد منا للاختباء حتى يتحين الفرصة، ومغافلة الذي عليه الدور، للركض نحو المدى ولمسه قبل أن يمسك بنا. وفي ذلك اليوم كان بيت عم والدي الشيخ عوض بن محمد بن سعيد آل إسماعيل البلوشي، وما حوله من نخل، هو موقع اللعب. وبعدما ركض الجميع للاختباء، وبدأ صاحب الدور البحث عنا، بدأنا في تحين الفرص للمس المدى، وأكاد أتذكر شيخة -إحدى الفتيات التي كانت ضمن فريق الاختباء- تركض قرب الطوي (البئر)، فقفزت قفزة لم تكن سديدة، لأنها اختفت من أمام ناظري فجأة، فأحسست لوهلة أن الهواء قد انسحب من الجو، وأن كل شيء من حولي أصابه الخرس، فلا طيور تغرد، ولا أشجار تتحرك، ولا صراخ أطفال يُسمع. كانت ثوانٍ ثقيلة تجثم، رافضةً التزحزح قيد أنملة، ثم عدنا إلى رشدنا، ولا أنسى تلك اللحظة التي ركضت فيها نحو الطوي لأرى شيخة المسكينة متشبثة بأطراف الصخور في قعر الطوي، ورأسها طافٍ فوق سطح الماء، تنظر إلينا بفزع، وبدأ صراخنا يعلو خوفًا وهلَعًا: (شواخ طاحت في الطوي). ولأن جميع الرجال في أعمالهم، هبت النسوة إلينا من بيت العم والجارات اللائي كن مجتمعات لقهوة الضحى، وعندما رأت خالتي مريم -رحمها الله- ما حدث، أطلقت العنان لصوتها بـ(الصايح)، والصايح هنا هو الصوت الذي ينطلق للإعلام بأمر جلل. وما هي إلا لحظات حتى وجدنا الرجال والنساء يتوافدون نحو الموقع، وكل واحد منهم يحمل شيئًا، فمنهم من جاء بقفير، ومنهم من جاء بصفاري (قدور)، ومنهم من جاء بمساحي (جمع مسحاة)، أو هيب، أو حبل... إلخ، وذلك تحسبًا لنوع المصيبة، حريق أو غريق، أو ربما سقط من فوق نخلة. المهم أن سليم الخيال -رحمه الله-، وكان قوي البنية، تطوع بالنزول إلى الطوي، فقام بالتحزم بالحبل ونزل، لتنتهي المهمة بإنقاذها في ذلك اليوم، الحمد لله. وأتذكر أنها خسرت سنًا بسبب الارتطام، أما عدا ذلك فقد كانت بخير وعافية.
ولا أنسى ذلك اليوم الذي اشتعلت فيه ألسنة اللهب لتقضي على عريش الجيران، ولا أنسى أبدًا منظر عمي الشيخ علي بن سويدان عندما أخرج الصمعة وبدأ في إطلاق الأعيرة النارية في الهواء، ليهب الجميع ويفزعوا لداعي الفزعة، وحاول الجميع إخماد الحريق، وإلا كان سينتشر في النخيل المحيطة، وتصبح الكارثة أعظم. ورغم إخماده، إلا أنه كان قد أتى على كل شيء من مقتنيات الجيران، ولكن الشعار دائمًا: (في المال ولا في الحال)، فالمال مقدور عليه، لكن خسارة الأرواح لا تعوض.
يَروي أبو بَرزة نَضلةُ بنُ عبيد الأسلمي، رضي الله عنه، في صحيح مسلم، أن رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلَّم بعث رجلًا من أصحابه إلى حيٍّ من أحياء العرب ليدعوهم إلى الإسلام، فسبوه وضربوه، وأوقعوا به الأذى، فرجع الرجل من عندهم إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلَّم، وأخبره بأذاهم له، فقال له صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «لو أنَّ أهلَ عُمان أتيتَ»، أي: ذهبتَ إليهم ودعوتهم إلى الحق، ما سبوك، ولا ضربوك، وما عاملك أهلها بمثل ما عاملك هذا الحي من العرب، يعني: أن أهل عُمان قوم فيهم علم، وعفاف، وتثبت. وهذه شهادة هي من أعظم النعم على بلادنا الغالية وأهلها، أسأل الله دوامها، فالتلاحم والعمل ككيان واحد هو ديدن أهل عُمان في كل زمان، ولله الحمد.
إن ما شهدته البلاد في الفترة الأخيرة، عندما انتشرت قصة رحلة المرض لكلٍّ من أحمد العجمي والطفل سالم الشيدي، كان أعظم مثل على روعة الفزعة، وجمال الهبة العُمانية، وأنها تأبى أن تقف مكتوفة الأيدي وتراقب زهرة الطفولة تذبل، حتى وإن كانت نسبة الأمل ضعيفة. ولكن القلم يقف مذهولًا أمام الفزعة الظفارية، التي يشهد عليها القاصي والداني، فلم تبخل النساء بذهبهن، ولم يضن الرجال بأموالهم، حتى الأطفال لم يبخلوا بحصالاتهم، وتداعت القبائل والبيوت الظفارية في مشهد تنافسي لبذل الغالي والنفيس لإنقاذ هذين الطفلين، ليتم إعلان إغلاق المبالغ المطلوبة وسط فرحة عارمة من الجميع. فطوبى لأهل عُمان الذين شهد أكرم من وطئ الثرى، محمد صلى الله عليه وآله وسلَّم، على خلقهم ومعدنهم الذي لا يصدأ، واختصهم بذلك دون غيرهم من العرب. فشكرًا لمن حافظ على النطق النبوي الشريف، وجسده في تعامله اليومي، وكتب الله الشفاء لأحمد العجمي، وسالم الشيدي، وغيرهم ممن يعانون من مرض ضمور العضلات، وجعلهم معجزات تمشي على الأرض، وفرج الله عن كل مضيوم.
توقيع:
"على عينك وعيـن الحاسـد الواشـي معـاك.. أيـوه علـى عينـك.
أنـا ما زلـت مـن فـوق الثريـا والسمـاك.. ولا أعرفـك وينـك.
عجب مالي أراك تعادينا بلا حجه وتظهر لي جفاك.. ذا إيش لـي جـأك.
واللـي ما عـز نفسـه فـي الهـوى سيبـه.. ولا تسـقيـه من مـاك".
حسين أبوبكر المحضار.
