التدريب العملي: من سراب الشكلية إلى حقيقة الإتقان (3-3)

 

 

د. عبدالله بن سليمان المفرجي

وفي استكمال لمسيرة الإصلاح وبناء الرؤى المستقبلية، تأتي هذه الحلقة لتضع اللمسات الأخيرة على صرح التدريب الجوهري، وتكمل ما بدأناه من محاور مؤسسية وتقنية ومكانية وإنتاجية، لتصل بنا إلى الجوهر الإنساني والتربوي، وإلى الأفق الدولي الرحب، وإلى التخصص الدقيق الذي يميز كل مهنة عن غيرها، ويجعل لكل متدرب مكانه الطبيعي الذي يمارس فيه إتقانه، ويحقق فيه غايته، فلا يبقى التدريب معلقًا في فضاءات العمومية، بل ينزل إلى أرض الواقع التخصصي، ويتماهى مع طبيعة كل مهنة، ويحترم خصوصية كل اختصاص، كما يحترم الطبيب خصوصية عيادته، والمعلم خصوصية فصله، والمهندس خصوصية موقعه، وطالب الشريعة خصوصية حلقات الفتوى ومجالس القضاء.

خامسًا: في البعد التربوي والتكويني، يستحسن إدماج مقررات الأخلاق الرقمية والأمن السيبراني في كل برنامج تدريبي، كإجراء تأسيسي وليس إضافيًا، لتغرس في نفس المتدرب قيم المواطنة الرقمية، ويعي أخلاق التداول في الفضاءات اللامتناهية، فلا يصبح المتدرب مجرد منتج لا قيمة له، بل إنسانًا ملتزمًا بأخلاقيات المهنة، ضليعًا في تخصصه، عارفًا بحقوقه وواجباته، وهذا ما تؤكد عليه الدراسات الحديثة التي تشير إلى أن التعلم التجريبي القائم على العيادات والمحاكاة يقدم حلًا قابلًا للتطوير لسد الفجوة في إعداد المتخصصين في مجالات الأمن السيبراني. كما يجب دمج مقررات في الفقه الرقمي، والإفتاء السيبراني، والميتافيرس الشرعي لطلاب الشريعة، استلهامًا من تجارب ماليزيا وروسيا في هذا المجال، فتكون الأخلاق الرقمية كالقاعدة المتينة التي يقوم عليها البناء، وكالجذور العميقة التي تغذي الشجرة، وكالضوء الذي ينير الدرب، فلا يكتفي المتدرب بإتقان المهارة، بل يصبح مؤتمنًا على المهنة، حافظًا لحدودها، عارفًا بمسؤولياتها، مدركًا أن الإتقان لا يتحقق إلا بالأخلاق، كما لا تشرق الشمس إلا بضوئها، ولا ينمو الزرع إلا بمائه، ولا يستقيم المجتمع إلا بقيمه، وهذا البعد التربوي هو ما يميز التدريب الجوهري عن التدريب الشكلي؛ فالأول يبني الإنسان، والثاني يستهلك الوقت.

سادسًا: في الشراكات الدولية وتبادل الخبرات، يستحسن إقامة شراكات استراتيجية مع الدول الرائدة في مجال التدريب الجوهري، كألمانيا وفنلندا وسنغافورة وماليزيا وروسيا وإسبانيا والبرازيل، لتبادل الخبرات واستجلاب النماذج الناجحة مع تطويعها للخصوصية الثقافية والاقتصادية لكل دولة، والاستفادة من برامج التبادل الطلابي والمهني، وتطوير المناهج بما يتوافق مع أفضل الممارسات العالمية، وهذا يتسق مع توجهات اليونسكو والاتحاد الأوروبي في مشاريع إصلاح التعليم والتدريب التقني والمهني. ويمكن لطلاب الشريعة الاستفادة من تجارب ماليزيا في الرقابة الشرعية، وروسيا في إدارة التنوع الديني، وإسبانيا في تحقيق التراث، والبرازيل في التواصل الحضاري مع الجاليات المسلمة، فتكون هذه الشراكات كالجسور الممتدة بين الحضارات، وكالقنوات المفتوحة لتبادل المعرفة، وكالروافد التي تغذي النهر، فلا تبقى الأمة منغلقة على نفسها، ولا يظل التدريب أسيرًا للتجارب المحلية المحدودة، بل ينفتح على آفاق العالمية، ويستلهم من كل تجربة ناجحة ما يثري مسيرته، ويضيف إلى رصيده، ويجعله في سباق مع الزمن، لا في ركود مع الماضي. وفي هذه الشراكات تتلاقح الأفكار، وتتنافس الكفاءات، وتتضاعف الفرص، وتتسع الرؤى، فتكون الأمة أكثر اتصالًا بالعالم، وأكثر قدرة على المنافسة، وأكثر جاهزية للمستقبل.

سابعًا: في التخصص والملاءمة المهنية، يستحسن أن تكون أماكن التدريب ملائمة تمامًا للتخصص، فلا يتدرب المعلم إلا في الفصول الدراسية، والطبيب إلا في العيادات والمستشفيات، والمهندس إلا في المواقع الهندسية، والمبرمج والمتخصص في الشبكات والذكاء الاصطناعي والميتافيرس والأمن السيبراني إلا في مختبرات التقنية ومراكز البيانات، والقانوني إلا في المحاكم ومكاتب المحاماة، والتربوي إلا في المدارس ومراكز التوجيه، والمستشار النفسي والاجتماعي إلا في المراكز الإرشادية والعيادات النفسية، وطالب الشريعة والدراسات الإسلامية إلا في حلقات الفتوى، ومجالس القضاء، ودور الإفتاء، وهيئات الرقابة الشرعية، والمصارف الإسلامية، والمجمعات الفقهية، ومراكز البحوث الإسلامية، والمحاكم الشرعية، وأقسام التوعية الإسلامية في المستشفيات والسجون، والمدارس الدينية، ووزارة الأوقاف، ومكاتب المحاماة الشرعية، ومراكز التحكيم الإسلامي، ووسائل الإعلام الدينية، ودور النشر المتخصصة في المخطوطات والتراث الإسلامي. فهذا يضمن جودة التدريب وفاعليته، ويحقق أهدافه التكوينية والمهنية، وتكون هذه الأماكن كالبيوت الدافئة التي تحتضن المواهب، وكالحضانات الخصبة التي تنمي القدرات، وكالمدارس المتقدمة التي تصقل المهارات، فلا يبقى التدريب مبعثرًا في غير موضعه، ولا يظل الطالب تائهًا في غير تخصصه، بل يكون في موقعه الطبيعي، يمارس مهنته، ويصقل أدواته، ويتقن حرفته، كما يتقن النجار الخشب، والحداد الحديد الصلب، والماء مساره، وكما تتقن الشمس شروقها، والقمر اكتماله، والبحر مدَّه وجزره، فتكون كل مهنة في مكانها، وكل متدرب في حلقته، وكل إتقان في ميدانه، وهذا هو جوهر التخصص، وروح الاحترافية، وعنوان الإتقان.

وفي ختام هذه الرحلة الفكرية الثلاثية، وفي نهاية هذا المسير الطويل، نؤكد أن التدريب العملي الجوهري هو مرآة الأمم، ومحك شعوبها، ورافعة نهوضها، وعليه تُبنى الأوطان، وتزدهر دور التعليم، وبجوهره تقاس الحضارات، فمن أتقن التدريب أشرقت آفاقه، ومن أهمله تاه في غياهب الشكلية، ولا تقوم له قائمة. فلا جهد يُدَّخر في سبيل إصلاح هذا الركن الأساسي، ولا غضاضة في الاستفادة من تجارب الغير، ولو بعدت، ومن تواضع للحق ارتفع، ومن اقتبس النور من كل قنديل أضاء، ومن أصلح التدريب فقد أصلح عقل الجيل وقلب الأمة، وجعل من غدها أفضل من أمسها، ومن شبابها قادة الإبداع لا جنود الروتين.

فلننهض إلى الفعل، ولنكن كالبنائين البارعين يرفعون اللبنة فوق اللبنة، وكالمجددين يضفون الصقل على الصفحة، حتى يصير كل متدرب قصة نجاح تفخر به الأوطان، وكل مشروع تدريبي معلمًا بارزًا شامخًا في صرح العلم والمعرفة، وكل خريج شمسًا تشرق في سماء البلاد، لا أفول لها ولا غروب. فالمعلم يتدرب في فصوله، والطبيب في عيادته، والمهندس في موقعه، والمبرمج والمتخصص في الشبكات والذكاء الاصطناعي والميتافيرس والأمن السيبراني والقانون والتربية، والمستشار النفسي والاجتماعي في ميادين تخصصهم الشائكة، وطالب الشريعة والدراسات الإسلامية في حلقات الفتوى، ومجالس القضاء، ودور الإفتاء، وهيئات الرقابة الشرعية، والمجمعات الفقهية. وحينئذ تزدهر المهن، وتتقدم الأمم، وتشرق الحضارات، وتتحقق النهضة المنشودة، وتعود الأمة إلى مجدها التليد، وريادتها الفريدة، كما يعود النخيل بعد التطعيم يانعًا مثمرًا شهيًا، وكما تعود الشمس بعد الغروب ساطعة مشرقة، وكما يعود الماء بعد الجفاف مدرارًا زلالًا رقراقًا، وكما يعود العود بعد الكسر نغمًا عذبًا، وكما يعود الصبح بعد الليل فجرًا، وكما يعود الإتقان بعد السراب يقينًا لا يخالطه شك، ولا ريبة، وحقيقة لا يشوبها وهم، وكما يعود النور بعد الظلام هدى لا يضل، وكما يعود الكمال بعد النقصان بهاءً لا يخبو.

 

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z