سالم البادي (أبو معن)
يواجه الشرق الأوسط منعطفًا هو الأخطر في تاريخه الحديث، مع عودة قرقعة الطبول الحربية بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وجاء هذا التصعيد الميداني الحاد في أعقاب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتهاء مذكرة التفاهم النووية المؤقتة، واصفًا إياها بأنها أصبحت في حكم العدم، بعد الخلافات العميقة حول أمن الملاحة في مضيق هرمز ومستوى تفتيش المنشآت النووية، ليعيد هذا القرار المنطقة إلى المربع الأول، مهددًا بقطع "شعرة معاوية" الدبلوماسية التي طالما حافظت على خيوط التواصل، ومنعت الانزلاق نحو مواجهة شاملة لا تبقي ولا تذر.
"شعرة معاوية" وعقيدة الحكمة العُمانية
في أدبيات السياسة وبناء العلاقات الدولية، تُمثل "شعرة معاوية" الرمز الأسمى للمرونة والذكاء الدبلوماسي؛ وهي تلك الشعرة الرفيعة التي إن شدها الخصم أرخيتها، وإن أرخاها شددتها، بما يضمن استمرار الاتصال ورفض القطيعة المطلقة.
وتتجلى هذه الحكمة السياسية بأبهى صورها الواقعية في السياسة الخارجية لسلطنة عُمان. ولطالما كانت مسقط، ولا تزال، "واحة الهدوء ومهندسة التهدئة" في المنطقة، مستندة إلى إرث راسخ من الحياد الإيجابي والدعوة الدائمة إلى الحوار وحل النزاعات بالطرق السلمية، عبر قنواتها الخلفية والمباشرة.
تؤمن سلطنة عُمان إيمانًا مطلقًا بأن لغة السلاح والحروب عبثية وتدميرية؛ لذا واصلت جهودها المكثفة حتى في أحلك الظروف لتقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، محذرةً من أن البديل عن الدبلوماسية هو صراع إقليمي شامل سيحرق الأخضر واليابس، ويهدد استقرار الطاقة العالمي.
أسباب إلغاء التفاهمات ونقض الاتفاق
ويعود انهيار مسار التهدئة وإعلان الإدارة الأمريكية انتهاء فاعلية مذكرة التفاهم إلى عقبات وتراكمات جوهرية، تغذت على ضغوط إستراتيجية حثيثة برزت مؤخرًا:
أولًا: الاختراق الاستخباري الإسرائيلي وضغوط قمة الناتو: لعل السبب الأبرز والأكثر تأثيرًا في صياغة المشهد الراهن هو نجاح السعي الإسرائيلي الحثيث في إقناع الحلفاء بعودة الخيار العسكري؛ حيث استغلت تل أبيب كواليس قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) الأخيرة، المليئة بالتوترات.
ووفقًا للتقارير، نجحت الاستخبارات الإسرائيلية في تقديم ملفات و"معلومات حساسة" للشركاء الأوروبيين، تزعم وجود خطط تصعيدية إيرانية وتهديدات مباشرة (شملت الكشف عن مخططات اغتيال تستهدف ترامب شخصيًا).
هذا الاختراق الاستخباري شكّل أداة ضغط قوية دفعت القادة الأوروبيين إلى تغيير مواقفهم، والضغط جماعيًا على ترامب لنقض الاتفاق وإلغاء الهدنة، بدعوى غياب الجدية الإيرانية.
ثانيًا: أزمة الملاحة في مضيق هرمز: اتهمت واشنطن الجانب الإيراني بانتهاك الهدنة عبر استمرار استهداف السفن التجارية والتحكم في مسارات الملاحة الدولية في المضيق، وهو ما اعتبرته أمريكا تقويضًا مباشرًا لأساس الاتفاق المؤقت.
ثالثًا: عقدة "الغبار النووي" والتفتيش الصارم: رفعت إدارة ترامب سقف شروطها بطلب تسليم مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، والسماح للمفتشين بالوصول المطلق إلى المواقع العسكرية المشبوهة لفحص عينات التربة (الغبار النووي)، وهو ما رفضته طهران؛ كونه يمس سيادتها.
رابعًا: انعدام الثقة ومبدأ "الالتزام المقابل": تصر إيران على قاعدتها الثابتة (الالتزام مقابل الالتزام)، متهمةً واشنطن بخرق التفاهمات عبر فرض عقوبات اقتصادية ونفطية متجددة، مما دفع الأجنحة الراديكالية في طهران إلى التصعيد الميداني.
سبل حل الأزمة والجهود الباكستانية والقطرية
رغم الحشود العسكرية والضربات الجوية المتبادلة، ما زالت القوى الإقليمية المعتدلة تسابق الزمن لإحياء المسار الدبلوماسي؛ حيث تقود باكستان وقطر حراكًا دبلوماسيًا مكثفًا لإنقاذ الموقف وفق الأطر التالية:
المبادرة الباكستانية للهدنة: طرحت إسلام آباد مقترحًا متكاملًا لإبرام اتفاق وقف إطلاق نار على مرحلتين يمتد 45 يومًا، يهدف إلى وقف العمليات القتالية فورًا، وتهيئة الأجواء لعودة الوفود إلى طاولة المفاوضات.
الوساطة والآليات القطرية: تنشط الدبلوماسية القطرية عبر جولات مكوكية في طهران تهدف إلى إنشاء آلية مشتركة لحل الخلافات المتعلقة بتفسير بنود الاتفاقيات، بجانب معالجة ملفات شائكة، مثل الأموال الإيرانية المجمدة وضمانات الملاحة.
صيغة "المرور الآمن مقابل رفع القيود": يرى الوسطاء أن المخرج العملي يتطلب صيغة توافقية تلتزم بموجبها إيران بضمان المرور الآمن المطلق للسفن في مضيق هرمز، مقابل التزام أمريكي صارم برفع العقوبات النفطية والسماح بتدفق العائدات المالية إلى طهران.
تداعيات استمرار الحرب على المنطقة والعالم
إن الإصرار على خيار الحسم العسكري وإلغاء لغة الحوار سيفجر جملةً من الكوارث الإستراتيجية التي لن يتجرع مرارتها طرفا النزاع فحسب، بل ستطال العالم بأكمله:
-تدمير الممرات البحرية واشتعال أسعار الطاقة: يمثل مضيق هرمز شريان الحياة الرئيسي لإمدادات النفط والغاز العالمية؛ واستمرار العمليات العسكرية فيه سيتسبب في قفزات تاريخية وقياسية لأسعار الوقود، مما يدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود حاد.
-فوضى أمنية إقليمية: لن تظل الحرب محصورة بين واشنطن وطهران، بل ستمتد لتشمل دول الجوار والوكلاء الإقليميين، مما يحول منطقة الشرق الأوسط برمتها إلى ساحة حرب مفتوحة تستنزف مقدرات الدول وتدمر البنى التحتية للاقتصاد.
-سباق التسلح النووي والانفلات الأمني: في حال شعرت إيران بتهديد وجودي مباشر، وسُحقت قنوات التفاوض، قد تندفع بشكل نهائي نحو خرق كافة القيود وبناء السلاح النووي كأداة ردع أخيرة، ما سيفجر سباق تسلح مرعبًا في المنطقة، ويهدد منظومة الحد من الانتشار النووي عالميًا.
ختامًا، تبقى "شعرة معاوية" هي طوق النجاة الأخير وسط أمواج التصعيد المتلاطمة.
وإن تغليب لغة الحكمة التي تنادي بها مسقط، والفرص الدبلوماسية التي تتيحها جهود الدوحة وإسلام آباد، ليس مجرد خيار سياسي رفيع، بل هو ضرورة حتمية لحماية البشرية من حرب ضروس لا رابح فيها.
