كيف تجاوزت الآلة صانعها في الأداء وظل الإنسان سيّداً عليها؟

حمد الناصري
يقف الإنسان اليوم على عتبة عصر ذهبي من المُنجزات العلمية والتقنية التي تكاد تفوق الخيال، إذْ نجده قد سَبَر أغوار الفضاء السحيق ومجَرّاته، وتوغّلَ في عُمق الأرض ومجاهل البحار، وصولاً إلى ثورات الطب الدقيق والذكاء الاصطناعي. واستطاع العقل البشري أن يبتكر أدوات وتقنيات تملك قوة أداء لا محدودة، وسرعة فائقة تتجاوز قدرات الجسد اللّحْمي بمراحل ضوئية. فالإنسان لا يطير، لكن طائرته تُحَلق فوق السحاب؛ وهو لا يُعالج مليارات البيانات في ميكروثانية، لكن برمجياته تفعل ذلك دون كلل.

   هذه المُفارقة العجيبة تضعنا أمام تساؤل فلسفي عميق: كيف يمكن للمنتَج أن يتجاوز نتاج صانعه؟ إنّ الإجابة تكمن في أنّ الله سبحانه وتعالى قد كرّم الإنسان بالعقل والوعي، ومنحهُ ملكة "الابتكار" ليصنع أدوات تُكمل نقصه الجسدي وتمدّ نفوذه في الكون. فالآلة، مهما بلغت دقتها التقنيّة وقوتها التنفيذية، فإنها تؤدي مهامها بكفاءة عمياء، ميكانيكية، وصامتة.

    وتتجلى هذه الكفاءة الجافة في شتى الميادين؛ ففي مجاهل المُحيطات، تنزل الغواصات الآلية الحديثة إلى أبعد عُمقٍ مائيّ، حيث يغيب كلّ شعاعِ ضوءٍ ويشتدُّ الضغط، مقاوِمةً وثِقلاً ينسف الأجساد، وتلتقط الصور بدقة متناهية، لكنها تظل "عمياء حسيّاً" لا يُبهرها غموض القاع ولا تهاب ظلمته. وفي غرف العمليات الدقيقة، تُحَرّك الأنظمة الروبوتية المشرط بثبات "ميكرومتري" مجهريّ الدقة لا يرتعش ويفوق سُكون اليد البشرية، لكنها آلة بلا رحمة؛ وذلك مما يُدلل على أنّ حركة المشرط الآلي والأنظمة الروبوتية لا تملك ثباتاً مجهرياً فحسب، بل إنّ مُجمل أدائها الحركي ومنظومتها التقنية بالكامل قد تجاوزت وسادت وتفوّقَت على سُكون اليد البشرية، كونها تعمل ببرمجيات حسابية صلبة خالية من العاطفة الإنسانية؛ فلا يرتجف نبضها شفقةً على جسد المريض، ولا تستشعر دموع أُمّ تنتظر خلف الباب. وحتى في آفاق الفضاء البكر، تسير المسبارات على سطح المريخ وتُثبت صور غروب الشمس بدقة لا متناهية، لكنها لا تملك الوعي لتدهش، بينما العالم البشري في محطة التحكم على الأرض هو من تدمع عيناه ذهولاً أمام عظمة الخالق.

   خُلاصة القول: تتأسس المفارقة المعرفية في هذا العصر على كون الآلة امتداداً عملاقاً لأرقام الأداء وهياكل الحديد، بينما يظل الإنسان متسيداً لمشهد الوجود بومضة الوعي وسر الإحساس اللذين خصّه الله بهما. وبينما تحسب التكنولوجيا الزمن بالنانوثانية والمسافات بالسنين الضوئية، يعجز الطين الإلكتروني عن إدراك قيمة العمر أو تذوق نشوة الإلهام البشري، الأمر الذي يفتح الباب واسعاً أمام السؤال الفلسفي الممتد عبر الأجيال: إذا كانت الآلة قد نجحت في محاكاة حركة الجسد بل وتجاوزتها، فهل سيأتي يومٌ يملك فيه هذا الجماد المتفوق برمجياً القدرة على اختراق غياهب العقل، أو صناعة الدهشة بمعزل عن صانعه ومُبدعه؟ وهل سيغدو قادراً على مداواة غصص البيئة المحيطة به دون حاجة إلى جرعة إبداعية من لدن الإنسان، الذي لم يغفل يوماً عن غصته وسعى لتطوير أدواته ليكسب حياةً تترقى من إبداع مُبهر إلى إبداع مُلهم؟ وهل الروح -التي هي سرّ الإنسان الأكبر- ستظل سِراً إلهياً يستعصي على البرمجيات مهما بلغ ذكاء التقنية وجبروت أرقامها، أم أن التكنولوجيا ستكشف يوماً عن قدرةٍ لتجسيد الروح في ذاتها والاتصاف بقوة الخلق والابتكار؟ الأقرب عقلاً وفلسفة، أن التكنولوجيا ستظل مجرّد يدٍ خارقة، مُحَرّكها إنسانٌ بقلب نابض، لتستمر قوة الوجود من حيث بدأ الإنسان، قادراً على بثّ الحياة في عصب الكون تطويراً وتحديثاً.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z