سوق اسمه ميسي!

‎معاوية الرواحي

عزيزي القارئ، دعني من البداية أعترفُ لك أن هذا المقال ليس واحدا من مقالات المنطق المحكم المترابط. هذا مقالٌ عاطفيٌّ بامتياز، يكتبه إنسان عاشَ في طفولته في مصر، درس جزءا من ابتدائيته في مصر، عاشَ تجربة ملخصات سلاح التلميذ، ولامي، ونشأ وترعرع مع أحمد خالد الصفتي، ونبيل فاروق، ويحفظ مسرحيات عادل إمام كما يحفظُ أغاني عبد الحليم حافظ، يتحدث الدارجة المصرية (بلبل)، فلا تنتظر مني وأنا أكتب هذا المقال بعد دقائق قليلة من خسارة جمهورية مصر العربية أمام ميسي وفريقه الذي لا تهم ما جنسيته مادام يلعب فيه، كما لا يهم ما فريقه ما دام يلعب فيه، كما لا يهم أي شيء سواه، سوى هذه الهالة التي منذ تغريدة بايدن عنه وأنا أتساءل أي دور عالمي قادم سيكون لهذا السرحان الهائم الذي تدور حوله الخطط حيثما حلَّ وارتحل.

لست ضليعا في كرة القدم كما يفعل المجادلون الكبار، لأحددَ كرةً ما إن كانت عادلة أو ظالمة. اليقين الكافي الذي لدي أن تأثير هالة ميسي كافٍ للغاية لكي يخترق أنظمة الحياد في أدمغة الحكام، كما يفعل في أدمغة المحللين، والجماهير. وكأن أي كلمة تتهم ميسي بالاستفادة من هذه الهالة هي اتهام صريح لكل سياقات المنطق والعدالة في العالم. الحرقة التي أشعر بها الآن هي حرقة عربية صافية، حرقة ذلك الشعور المقيت بالقرف والفرق العربية أمام هذه الفيفا طوال حياتها وزمانها وهي لا تحتفل بأكثر من الصعود للدور الثاني، ربما ما عدا الجزائر في استثناء ضيّق.

أجادل أن العالم يتحيز لميسي، يتحيز له بمجرد وجوده. والسؤال الآخر الخفي، أين تقام هذه البطولة؟ ألا تقاوم في ولايات ترامب الأمريكية المنقسمة؟ وما الذي يفعله ميسي هناك؟ ألا يفعل ما يشبه ما فعله ديفيد بيكام، صناعة سوق جديد، لرياضة جديدة، لجذب جديد، لدوري جديد قد يكون هو الآخر أيضا الدوري الأكبر والأضخم في العالم. لا أعتبر كلامي غير منطقي، وأيضا لا أقول لدي الأدلة الدامغة التي تثبت ما أرمي إليه، أنَّ ميسي ليس لاعبا فقط، ليس ظاهرة جماهيرية إعلامية ترفع سعر الإعلان والتغطيات، إنه أيضا صانع سوق، وصانع سوق في أمريكا، وصانع سوق في أمريكا التي يحكمها ترامب حاليا.

أعرف أن الحرقة تطفئ المنطق في عينيك، وتجعلك ترى الأشياء بصورة مشوشة، ونعم أعترف، هذه الحرقة لخسارة مصر فعلا تسبب لي الضيق، وهي التي تجعلني أصدق هذه الافتراضات غير المثبتة، أن دولة إبستين قادرة على التدخل، وأن دولة إبستين تريد الحفاظ على ميسي حتى لو لم يكن ميسي نفسه متواطئا مع هذا الذي يحدث، عشرات المواقف الصغيرة تكفي لكي تبني شكاً عاصفا، ونعم أعرف، ثم أعرف، ثم أعرف، لا أحد لديه دليل، الشيء المؤكد أن أمريكا لا تعبأ بأي شيء حاليا سوى لعبة الدولار، وجذب كل شيء إلى اقتصادها.

لذلك عزيزي القارئ، فكر معي قليلا، مكان ترامب، مكان أمريكا في عصر ترامب، بعد كل هذه المعمعة، ميسي هو الدولار الحقيقي لمآلات البطولات، لنهاياتها. سيجادل من يجادل أن تلك الضربة التي تلقاها صلاح في منطقة الجزاء هي ضربة (لا يعاقب عليها) وسيجادل من يجادل بمختلف الطرق، لم يعد الأمر فنيا، السياق الكبير يحكم، أين الذي يكمن في مصلحة أمريكا؟ وصول فريق عربي مسلم؟ هل هذا الذي يجلب المليارات؟

دمية الفيفا، في كأس عالم ترامب بكل تغييراته، وبصمته الأمريكية، وجذبه العالي للعالم، ماذا يريد أكثر؟ استعمار رياضة جديدة لكي تكون أمريكية أيضا، ومن أفضل وجه لهذا الاستعمار، هذا الميسي الذي خرق كل قوانين التاريخ، وكرة القدم، والعمر، والتركيز، بل وربما حتى ارتباطات خلاياه العصبية، هذا اللاعب الذي أكن له الكثير من الاحترام، والتقدير، ولكن ليس اليوم. ليس عندما تخسر مصر بهذه الطريقة، ليس عندما العاطفي تعمي عيني وأفقد الشعور بالمنطق. هذا الذي أقوله، الافتراض، فوق الافتراض، والشك فوق الشك، كلها سأعرف لاحقا أنها لحظات عاطفية قامت بتشويش قدرتي على الإنصاف، وأبادت كل قدرة لي على الحكم الموضوعي، للحزن ما يفعله وله شؤونه العميقة.

سواء بمؤامرة، أو بدون مؤامرة، بالمنطقة الرمادية أو بدونها، هل أنا عاشق من عشاق مصر المهووسين بها يتألم لخسارتها، أم أنا إنسان ينظر لأمريكا كما تُعرف أمريكا، بكل ما فيها من إبستين، ومؤامرات، وتطاول، واستثناءات، وتجاوز، وفيتو، وتدخلات تفوق قدرة أي مؤسسة على القيام بعملها، هذا أيضا افتراض معقول، أنَّ ميسي مهم للغاية لهذا السوق الذي لو نشأ، بكأسي عالم، وبكأس عالمٍ في أمريكا! هنا لعبة المليارات، لعبةٌ لا أعتقد أن أحدا فيها (حاشاه) أن يتدخل بشكل ما أو بآخر.

أختم كلامي، بأنني لست في حالة منطقية، أنا في حالةٍ من الألم أمام الطموحات الكبيرة التي كنت أتمنى أن أراها، منتخب عربي يتجاوز الأرجنتين، يجعل العالم طبيعيا، يجعل الكبار قابلين للخسارة، يجعل الكرة كرة قدم، وليست كرة نجوم، وعقود رعايات، وضخ أموالٍ، والمزيد من الأموال لترامب وخططه. أختم كلامي بأن الذي أفعله كله هذا غير منطقي، عاطفي، لا أساس له من المجادلة المحكمة، لكنني حزين، حزين للغاية، وإن ذهب ما أقوله الآن للمآلات، وقتها سأشعر بأن العالم له مشيئته الأخرى، مشيئة الدولار والسياسة، وليهنأ ميسي بصناعة سوق كرة القدم في أمريكا، وليتقاعد صنوه الآخر من صناعة سوق كرة القدم في المملكة العربية السعودية، وليختم هذا الفصل الغريب الذي يجعل كل إنسان يتساءل: هل حقا كل هذا يجري بدون أن تعبث به يد غريبة؟ من يدري؟ لا أدري، وربما لا أريد أن أعرف، كل ما في الأمر أن هذا مقال إنسان حزين، عاش فترة من حياته في مصر، وليس مستعدا في هذه اللحظة لينصت إلى صوت المنطق والموضوعية. هنيئا للمنتخب المصري تلك اللحظات البطولية التي كادت أن تقفز بأحلامنا، وبكل قرف عقد النقص والانتقاص لتسحقها سحقا، هدفان يكفيان، كبداية، وما يدريك ما الذي يحمله الغد.

أما إن كان كل شيء يسير لكي يكون النهائي، نهائي المال والمليارات، الأرجنتين وفرنسا مجددا، فهنيئا للرأسمالية، سواء كانت هي السبب، أو لم تكن، وهنيئا لأمريكا فوزها بأعظم لاعب في التاريخ، بلا شك. ها أنا عبرت عن حزني، أعلم غدا أنني سأرى كل هذا السرد الجحيمي غير منطقي، الآن، وفي هذه اللحظة وقبل أن يصفر الحكم ليعلن نهاية المقال، لا أريد أن أكون منطقيا، أريد أن أكون حزينا. وهذا كل ما في الأمر!

 

 

الأكثر قراءة

z