لماذا رضخت أمريكا؟

 

 

 

د. محمد بن خلفان العاصمي

هل عقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتفاقية وقف الحرب مع إيران وفق قناعات تامّة بالحلول السلمية التي كانت في مُتناول يده قبل اندلاع الأزمة والقيام بحرب استغرقت 3 أشهر، وتخطت كلفة تمويلها ما يزيد عن 100 مليار دولار أمريكي، إضافة إلى كلفة إعادة الإعمار ودفع فواتير الحرب التي سوف تتخطى 4 أضعاف كلفة تمويل هذه الحرب التي دائمًا ما أُصر على تسميتها بحرب عبثية لا تخدم المصلحة العامة الأمريكية، بقدر ما هي حرب بالوكالة لخدمة مصالح إسرائيل في المنطقة، وخدمة مشروعها التوسعي، وفرض وجودها بطريقة مُعينة وصيغة طالما بحثت عنها.

بكل تأكيد من يعتقد أن سبب وقف الحرب نابع من قناعة ترامب الرئيس الجمهوري- الذي وعد في حملته الانتخابية بالتركيز على القضايا الداخلية وحماية المجتمع والنهوض بالأمة الأمريكية- هو ذاته موهوم بأن قيام الحرب جاء نتيجة قناعة ترامب بضرورة الحرب على إيران لوقف برنامجها النووي، أو تغيير نظامها السياسي الممول للإرهاب على حد زعم مؤيدي الحرب. والحقيقة أن الحرب لم تكن خيار ترامب ووقف الحرب لم يكن خياره كذلك، وحتى الجمهوريين في الكونجرس وجدوا أنفسهم يندفعون لتأييد قرارات رئيسهم لشن الحرب كما وجدوا أنفسهم يصوتون للاتفاق الأخير مع إيران.

في استطلاع للرأي أجرته وكالة "أسوشيتد برس"، أظهر أن معظم الأمريكيين لا يتوافقون مع تعامل ترامب مع الملف الإيراني بالكامل منذ بدايته، ويظهر استطلاع آخر أجرته صحيفة AP-NORC وهو مركز أبحاث الشؤون العامة التابع لوكالة أسوشيتد بالتعاون مع جامعة شيكاغو، أن الحرب لا تحظى بدعم شعبي؛ بل أن هناك معارضة لها وبشكل واسع، ويرى الأمريكيون أن تعامل ترامب مع هذا الملف ضعيف جدًا حتى عندما تحول من تهديد إيران إلى بدء التفاوض معها، ويرى 65%؜ ممن شملهم الاستطلاع من البالغين، أن تصرفات ترامب سلبية تجاه هذا الملف. وأظهرت استطلاعات رأي عام قامت بها صحف أمريكية ومراكز أبحاث أنَّ شعبية الرئيس الجمهوري انخفضت لتصل إلى ما دون 36%؜، مع اقتراب مرحلة التجديد النصفي لمقاعد الكونجرس، وهي نسبة تظهر مدى معارضة الأمريكيين لهذه الحرب واستيائهم من سياسة ترامب وعدم التزامه بوعوده الانتخابية التي كانت تركز على النهوض بالمُجتمع الأمريكي ومُحاربة القضايا الاجتماعية التي تهدده.

ما قبل الاتفاق المُعلن بين الولايات المتحدة وإيران كان صاخبًا في الداخل الأمريكي، فمنذ اندلاع الحرب والمعارضون لها يتزايدون، ووصل الوضع إلى طرح مشروع ينهي الحرب على الكونجرس الأمريكي لأربع مرات، فشلت ثلاث محاولات ونجحت الرابعة بعد أن نجح مجلس النواب في تمرير هذا المشروع وحظي بموافقة ودعم أعضاء في مجلس الشيوخ من الحزب الجمهوري المعتدلين الذين باتوا يرون أن مستقبل الحزب في خطر نتيجة تصرفات ترامب وانصرافه بشكل كامل لخدمة مصالح إسرائيل في الخارج، وبات الوضع مُجبرًا لوقف هذه الحرب، ليس فقط لكلفتها المادية الكبيرة، وتأثيرها الاقتصادي، بل لأنها تمثل نقطة قوة للديموقراطيين الذين خسروا الانتخابات السابقة، ونقطة تحول قد تشهدها الانتخابات النصفية للكونجرس في نوفمبر المقبل.

جاء الاتفاق على غير رغبة من ترامب ذاته كما كانت الحرب، بل إن الاتفاق ذاته جاء رغمًا عن مجموعات الضغط والدعم التي كانت تدفع بهذه الحرب، ولذلك حتى الاتفاق لم يحظَ بدعم مطلق فالجمهوريون منقسمون بشدة حول مذكرة الاتفاق مع إيران؛ حيث وصفها الجمهوري بيل كاسيدي عضو مجلس الشيوخ عن ولاية لويزيانا، بأنها "صفقة رديئة وسيئة"، وقال جون كورنين، ممثل تكساس وهو جمهوري كبير إنه قلق بشأن الاتفاقية، ويضيف "لقد سمعت أنها توصف بأنها استراحة، مما يترك لإيران للأسف القدرة على إعادة بناء ترسانتها ومواصلة تخصيب اليورانيوم"، بينما يحذر تيد كروز زميله عن ولاية تكساس من الاتفاق ويقول إنه ليس معجبًا بما تضمنه من بنود، ويرى أن أمريكا فتحت المجال أمام إيران لاستعادة الثقة.

وبينما يرى أعضاء في الكونجرس أن الاتفاق يمثل خطوة للوراء، يرى آخرون أن هذا الاتفاق إيجابي ويحفظ لأمريكا مكانتها ويوقف نزيف الأموال والدماء الذي لا يخدم الأمة الأمريكية. ويقول الجمهوري البارز رونالد جونسون عضو مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ويسكونسن "إن الصفقة تعترف بالواقع وفي كثير من الأحيان ليس من الممتع القيام بذلك، يحب ترامب الفوز، لكنه يكره الخسارة بشكل أسوأ، ويجب على الإيرانيين أن يأخذوا ذلك في الاعتبار"، بينما يشدد العضو الديموقراطي حكيم جيفرسون عضو مجلس النواب على أن الحرب المتهورة يجب أن تنتهي وبسرعة، ويضيف أن كل ما كنا نحتاجه هو انضمام عدد من الجمهوريين المعتدلين إلينا ومساندة هذا القرار، يجب أن تتوقف هذه الحرب التي تمول من اموال دافعي الضرائب الأمريكيين، لقد كلفتنا الحرب كثيرًا وجعلتنا نبدو أضعف من إيران.

لقد لخصت الصحفية والكاتبة اليهودية الأمريكية باتيا أونغار سار-غون بكل بساطة دواعي الحرب على إيران، والهدف من محاولة الدفع بها إلى الامام وذلك من خلال برنامجها على شبكة "نيوز نيشن"؛ حيث شنت هجومًا عنيفًا على الادارة الأمريكية وخاصة ترامب ونائبه؛ إذ قالت "إن الصفقة الدبلوماسية الأخيرة مع إيران "استسلام كامل" و"إذلال مطلق" للولايات المتحدة". وترى أنها سيئة ومخيبة لآمال الأمريكيين، وتخلي عن دعم إسرائيل، بل أنها وصفت هذا الاتفاق بأنه تراجع مؤسف عن القيم الامريكية، وهذا رأي يمثل عديد من أعضاء الكونجرس الداعمين للحرب واستمرارها خدمة لمصالح إسرائيل، وبكل تأكيد فان الاتفاق الأخير جاء على غير رغبتهم التي تتمثل في استمرار الحرب.

قد تكون الكلفة الاقتصادية وأزمة مضيق هرمز وتوسع دائرة النزاع، وأزمة الطاقة العالمية، والضغط الخليجي على الادارة الأمريكية، عوامل مؤثرة في التعجيل بالاتفاق الأمريكي الإيراني، ولكنه ليس العامل الحاسم الذي جعل من أمريكا ترضخ لبنود الاتفاق التي يراها المحللون السياسيون انتصارًا خفيًا للنظام الإيراني، وقد تكون هذه الاتفاقية مجرد استراحة يعيد فيه اللوبي اليهودي ومجموعات الضغط حساباتهم في الداخل الأمريكي لمرحلة وجولة جديدة من الصراع الذي لن ينتهي في القريب كما يظن البعض.   

 

الأكثر قراءة

z