ترامب وأوهام الامتلاك.. عندما تصطدم القوة بحدود الواقع

 

 

 

خالد بن سالم الغساني

 

في السياسة الأمريكية المعاصرة يمكن القول إن أكثر شخصية جسدت منطق القوة والصفقة التجارية هي شخصية الرئيس الأمريكي الحالي، دونالد ترامب؛ فالرجل الذي جاء من عالم العقارات والاستثمارات الكبرى إلى البيت الأبيض حمل معه رؤية تنظر إلى العالم من زاوية الربح والخسارة والمكاسب المباشرة، معتبرًا أن العلاقات الدولية امتداد طبيعي لسوق ضخمة يمكن فيها إعادة التفاوض على كل شيء، من العقارات إلى التحالفات إلى الثروات وحتى القضايا المصيرية للشعوب.

وخلال سنوات حضوره السياسي اتسم خطابه بتقلبات حادة بين التهديد والتفاوض، وبين التصعيد والدعوة إلى الاتفاق. ففي نفس الخطاب الواحد يتحدث عن القوة العسكرية والعقوبات القصوى، ثم يعود ليتحدث عن فرص التسوية والحلول السياسية. وقد بدا هذا النمط واضحًا بصورة خاصة في تعامله مع كل من فنزويلا ومن ثم إيران؛ حيث اختلطت لغة الضغط بلغة التفاوض، واختلطت حسابات الردع بحسابات الصفقة.

هذه المشكلة لا تتجسد فقط في شخصية ترامب وحدها، وإنما في القاعدة الفكرية الأوسع التي حكمت السياسة الأمريكية لعقود طويلة. فالولايات المتحدة الأمريكية، كونها القوة الأكبر في النظام الدولي، اقتنعت بالنظر إلى نفسها باعتبارها صاحبة الدور المركزي في تحديد قواعد اللعبة الدولية، وفي رسم الحدود التي تتحرك داخلها الدول الأخرى.

ومن اليابان إلى كوريا الشمالية، ثم فيتنام ولاوس وكمبوديا والفلبين والصين، إلى العراق وأفغانستان، ومن أمريكا اللاتينية إلى مناطق مختلفة من العالم، ظل منطق القوة حاضرًا في السياسة الأمريكية بأشكال متعددة. قد تختلف الأدوات بين إدارة وأخرى، وقد تتغير الشعارات والعبارات المستخدمة، لكن الفكرة الأساسية بقيت نفسها، وهي الحفاظ على النفوذ الأمريكي وضمان المصالح الاستراتيجية والاقتصادية في عالم يتغير باستمرار.

لكن ما يُميِّز ترامب أنه لم يحاول إخفاء هذه الحقيقة خلف اللغة الدبلوماسية التقليدية. فهو تحدث بصراحة عن النفط والثروات والأسواق وكلفة الحماية والتحالفات، وتعامل مع كثير من الملفات الدولية بمنطق رجل الأعمال الذي يقيس الأمور بموازين المكسب والخسارة المباشرة.

لكن التطورات الأخيرة المرتبطة بإيران تكشف جانبًا مهمًا من طبيعة العلاقات الدولية المعاصرة. فبعد مراحل طويلة من التصعيد والتهديد والضغوط المتبادلة، انتهى المسار إلى اتفاق أعلن عنه ترامب نفسه. وهذه النتيجة تستحق التوقف عندها، ليس لأنها تمثل انتصارًا لطرف وهزيمة لطرف آخر، بل لأنها تذكر بحقيقة أساسية كثيرًا ما تتجاهلها خطابات القوة.

العالم لا يمكن لأي قوة فيه أن تديره بالإملاءات وحدها، ولا تستطيع أي دولة مهما بلغت قوتها أن تلغي وجود الآخرين أو تتصرف وكأن مصالحهم وإرادتهم ليست سوى تفاصيل ثانوية. وقد أثبت التاريخ أن القوة العسكرية والاقتصادية قادرة على فرض وقائع معينة، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج الاستقرار أو صناعة التسويات الدائمة.

إن الوصول إلى الاتفاق بعد سنوات من التوتر يؤكد أن السياسة الدولية ليست صراع إرادات تنتهي بانتصار مطلق لطرف على آخر، بقدر ما هي عملية معقدة من التوازنات والضغوط والمصالح المتبادلة. وحتى أكثر القوى نفوذًا تجد نفسها في النهاية مضطرة إلى الاعتراف بحدود قدرتها على فرض ما تريد بالقوة وحدها.

وهنا تبرز المفارقة التي تستحق التأمل؛ فالرجل الذي قدم نفسه بوصفه قادرًا على إخضاع الخصوم عبر الضغط الأقصى وجد نفسه في نهاية المطاف أمام الحقيقة التي واجهتها قوى كبرى كثيرة عبر التاريخ، وهي أنه لا يمكن إدارة العالم بمنطق الامتلاك.

الدول بما تمتلكه من مقدرات، ليست شركات قابلة للاستحواذ، والأوطان ما كانت يومًا عقارات، والشعوب لا يمكن اعتبارها أصولًا اقتصادية يمكن نقل ملكيتها من طرف إلى آخر. لذلك فإن منطق الهيمنة، مهما امتلك من أدوات القوة، لا بد أن يصطدم بحدود الواقع وبإرادة المجتمعات والدول التي ترفض أن تتحول إلى موضوعات وأدوات في مشاريع الآخرين.

ولذلك فإن الاتفاق مع إيران لا يمكن فهمه سوى دليلًا إضافيًا على أن النظام الدولي أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في لغة المدفع والتهديد أو منطق الصفقات التجارية؛ فالقوة تظل عاملًا مؤثرًا، لكنها ليست العامل الوحيد. وهناك دائمًا اعتبارات التاريخ والجغرافيا والسيادة والمصالح الوطنية التي تفرض نفسها على الجميع.

إن الخطأ الذي وقعت فيه إمبراطوريات كثيرة عبر التاريخ كان اعتقادها أن تفوقها يمنحها حق التصرف في مصائر الآخرين إلى ما لا نهاية. لكن التجربة الإنسانية أثبتت مرارًا أن القوة مهما بلغت لا تستطيع أن تجعل العالم ملكية خاصة بها، وأن الشعوب قد تتعرض للضغوط أو الهزائم أو التراجعات، لكنها لا تتخلى عن حقها في الدفاع عن مصالحها وسيادتها.

ولهذا فإن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من هذا المسار، هو أن القوة تستطيع فرض العقوبات، وتحريك الجيوش، وإعادة رسم كثير من الوقائع، لكنها لا تستطيع وحدها أن تلغي حقائق التاريخ أو أن تجعل الآخرين يتصرفون دائمًا وفق رغباتها.

لقد عاد المسار في النهاية إلى التفاوض بعد أن مر عبر لغة القوة والتهديد والضغوط والتصعيد. وهذه ليست مفارقة تخص ترامب وحده، بل هي إحدى الحقائق الثابتة في السياسة الدولية، فمهما ارتفع صوت القوة، يبقى الاعتراف بالآخر والتعامل معه جزءًا لا يمكن تجاوزه من واقع العالم.

والعالم الذي حاول البعض النظر إليه باعتباره ساحة مفتوحة للهيمنة، يثبت مرة أخرى أنه أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير، وإرادة الشعوب تبقى في النهاية هي العامل الأهم الذي لا تستطيع القوة المجردة تجاوزها مهما بلغت.

الأكثر قراءة

z