خالد بن سالم الغساني
لا تحسم مؤتمرات الصحافة قيمة الاتفاقات، وإنما تحسمها الوقائع على الأرض، والمتمثلة في موازين القوة التي تفرضها السلطة، والحقوق والامتيازات التي تمنحها لهذا الطرف أو ذاك.
الاتفاق اللبناني-الإسرائيلي، يمثل بالنسبة إلى قطاع واسع من اللبنانيين، مفهوم السيادة الناقصة، حين تصبح الدولة مطالبة بممارسة سيادتها على جزء من شعبها، وتبقى عاجزة عن فرض السيادة نفسها على الاحتلال الذي يُدنّس أراضيها.
المفارقة الأساسية فيما يسمى بهذا الاتفاق هي أنه يضع الأولوية للتصدي لسلاح المقاومة قبل أن يضعها لإنهاء كل أشكال الوجود والتهديد الإسرائيلي، إلى جانب من يحملون ذلك السلاح المقاوم. فبدلًا من أن تكون نقطة البداية هي الانسحاب الإسرائيلي الكامل وغير المشروط، ينطلق ممثلو الحكومة ليضعوا تنفيذ الالتزامات الأمنية اللبنانية هو الشرط الذي تتوقف عليه بقية الخطوات. وهنا يقفز السؤال دون استئذان: أي سيادة هذه التي تُطالب الدولة بمواجهة أبنائها، فيما يبقى الاحتلال قادرًا على الاحتفاظ بأوراق القوة، أو العودة إلى العمل العسكري كلما ادعى وجود تهديد؟
لهذا ترى المقاومة وأنصارها أن القضية هي إعادة صياغة للمعادلة التي نشأت بعد عقود من الصراع، وليست ترتيبات أمنية. فالمطلوب، في نظرهم، ليس ضبط الحدود، وإنما تفكيك القوة الوحيدة التي فرضت على إسرائيل الانسحاب من معظم الجنوب عام 2000، وصمدت في حرب عام 2006، وفرضت معادلات ردع لم تستطع الجيوش العربية التقليدية فرضها طوال عقود.
وتزداد الشكوك عندما تصبح الدولة اللبنانية مطالبة بتنفيذ التزامات أمنية دقيقة، بينما لا يقابلها التزام إسرائيلي واضح ونهائي بإنهاء الاحتلال والانتهاكات. وهنا تتحول السيادة إلى مفهوم انتقائي؛ سيادة تُمارس داخل لبنان، لكنها تتوقف عند الحدود التي يفرضها ميزان القوة الإسرائيلي والدعم الدولي له.
الحكومة اللبنانية ومؤيدو الاتفاق يقدمون رواية غريبة، لا يمكن فهمها إلا باعتبارها جزءًا من لغة وفعل التسليم والاستسلام لرغبات العدو. فهم يعتبرون أن استعادة الدولة لقرارها الأمني هي المدخل الطبيعي لبناء دولة مستقرة، وأن إنهاء ظاهرة السلاح خارج مؤسسات الدولة ضرورة لاستعادة الاقتصاد، وجذب الاستثمارات، وإبعاد لبنان عن الحروب المتكررة. غير أن هذا التفسير يصطدم، في نظر معارضي الاتفاق، بحقيقة أن الدولة نفسها لم تحصل بعد على الضمانة الأساسية التي تبرر مطالبتها بهذه التضحيات، وهي إنهاء الاحتلال بصورة كاملة، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية بصورة نهائية وغير مشروطة.
ومن هنا، فإن الحديث عن "السيادة" يبدو، بالنسبة للمقاومة، استخدامًا انتقائيًا للمفهوم. فالدولة التي تعجز عن منع الطائرات الإسرائيلية من اختراق أجوائها، أو عن فرض الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية، أو عن ردع الاعتداءات المتكررة، تجد نفسها مطالبة بخوض مواجهة مع القوة التي يعتبرها جزء من اللبنانيين عنصر الردع الوحيد في مواجهة إسرائيل. وهذه المفارقة هي التي تجعل شعار "استعادة السيادة" يبدو، في نظرهم، أقرب إلى أداة سياسية تُستخدم ضد المقاومة، أكثر من كونه مشروعًا متكاملًا لاستعادة السيادة الوطنية.
لهذا لا يرى أنصار المقاومة في هذا الاتفاق سوى كونه محاولة لإعادة إنتاج مشروع قديم يقوم على نزع عناصر القوة اللبنانية مقابل وعود أمنية وسياسية لا تضمن إنهاء التهديد الإسرائيلي. فالاتفاق، وفق هذا المنظور، لا يعالج أصل المشكلة المتمثل في الاحتلال والصراع مع إسرائيل، وإنما ينقل مركز الصراع إلى الداخل اللبناني، حيث يصبح الخلاف حول سلاح المقاومة هو القضية الأولى، وتتراجع قضية الاحتلال إلى المرتبة الثانية.
لقد أثبت تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي أن كثيرًا من الاتفاقات نجحت في إنهاء الحروب بين الدول، لكنها لم تُنهِ أسبابها السياسية. ومن هذا المنطلق، يخشى معارضو الاتفاق أن يكون لبنان أمام صيغة لا تؤسس لسلام مستقر، بل لمرحلة جديدة من الانقسام الداخلي، لأن أي محاولة لفرض ترتيبات أمنية تمس المقاومة قبل الوصول إلى تسوية شاملة وعادلة قد تُفسَّر على أنها استسلام سياسي أكثر منها تسوية وطنية.
لذلك، فإن السؤال الذي سيبقى حاضرًا هو ما إذا كان الاتفاق يؤسس لسيادة لبنانية كاملة ومتوازنة، أم أنه يرسخ واقعًا تُطالَب فيه الدولة بنزع عناصر القوة من داخلها، فيما يبقى الطرف الآخر محتفظًا بتفوقه العسكري وحرية حركته.
وبالنسبة للمقاومة وأنصارها، فإن السيادة التي لا تبدأ بإنهاء الاحتلال، ولا تضمن المساواة في الالتزامات، ليست سيادة مكتملة، بل سيادة منقوصة، تحمل اسم الدولة، لكنها لا تمتلك كامل سلطتها.
