إسرائيل بين القوة العسكرية وحدود الردع

 

 

 

خالد بن سالم الغساني

 

لم تعد الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان مجرد حوادث أمنية متفرقة أو رسائل عسكرية عابرة، بل باتت جزءًا من مشهد إقليمي مضطرب تسعى فيه إسرائيل إلى ترسيخ حرية حركة واسعة في المجالين الجوي والعسكري، مستفيدة من اختلالات إقليمية عميقة، ومن حالة الانقسام التي تعانيها المنطقة. وفي المقابل، يبدو الموقف العربي الرسمي عاجزًا عن تجاوز حدود الإدانة والاستنكار، الأمر الذي يعزز الانطباع بأن إسرائيل لا تواجه، حتى الآن، كلفة سياسية تتناسب مع حجم عملياتها.

وما يزيد من تعقيد المشهد أن إسرائيل لا تقرأ سلوك الحكومات العربية من زاوية البيانات الصادرة بقدر ما تقرؤه من زاوية الأفعال والنتائج. فكلما تكررت عمليات القصف دون أن تقابلها مواقف سياسية أو دبلوماسية أو اقتصادية ذات أثر ملموس، ترسخ لديها الانطباع بأن هامش حركتها ما زال واسعًا. وهذا لا يعني بالضرورة غياب التعاطف العربي الشعبي مع لبنان أو فلسطين، بقدر ما يعكس الفجوة المتزايدة بين المزاج الشعبي وبين قدرة النظام العربي الرسمي على ترجمة هذا المزاج إلى سياسات مؤثرة.

غير أن المشهد الحالي أكثر تعقيدًا مما كان عليه قبل سنوات؛ فالحروب والمواجهات التي شهدتها المنطقة خلال الأعوام الأخيرة تركت آثارًا عميقة على جميع الأطراف. إسرائيل نفسها تواجه تحديات أمنية وسياسية واقتصادية غير مسبوقة، كما أن القوى المناوئة لها، وفي مقدمتها حزب الله، تعرضت بدورها لضغوط وخسائر وتحولات فرضت عليها إعادة النظر في كثير من حساباتها. ولذلك، فإن الحديث عن انتصار كامل لهذا الطرف أو ذاك يبدو سابقًا لأوانه، في ظل واقع لا يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة.

لقد غيّرت السنوات الأخيرة كثيرًا من المسلمات التي حكمت المنطقة لعقود. فإسرائيل خرجت من جولات الصراع الأخيرة وهي أكثر شعورًا بالحاجة إلى الحسم الأمني، لكنها أيضًا أكثر انكشافًا أمام الانتقادات الدولية والانقسامات الداخلية. وفي المقابل، وجدت قوى المقاومة نفسها أمام تحديات غير مسبوقة تتعلق بالخسائر البشرية، والضغوط الاقتصادية، وتبدل البيئة الإقليمية. لذلك فإن المشهد الراهن لا يشبه صورة المنتصر المطلق أو المهزوم المطلق، بل يعكس حالة صراع مفتوح يحاول كل طرف فيها إعادة تعريف موقعه وأدواته وأولوياته.

تراهن إسرائيل اليوم على واقع عربي مثقل بالأزمات والانقسامات، وعلى وضع لبناني بالغ الهشاشة، حيث تعاني الدولة من أزمات سياسية واقتصادية متراكمة تحد من قدرتها على فرض سيادتها الكاملة أو إدارة التحديات الأمنية المعقدة. لكن السؤال الذي يظل مطروحًا هو: هل تستطيع إسرائيل تحويل تفوقها العسكري إلى استقرار طويل الأمد؟ أم أن استمرار الضغوط العسكرية قد يؤدي إلى إنتاج أشكال جديدة من التوتر والمواجهة يصعب التحكم بمآلاتها؟

أما حزب الله، الذي شكّل على مدى سنوات أحد أبرز عناصر الردع في مواجهة إسرائيل، فيجد نفسه اليوم أمام معادلة أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. فمن جهة، يسعى إلى الحفاظ على صورته ودوره داخل بيئته السياسية والشعبية، ومن جهة أخرى، يدرك حجم المخاطر التي قد تترتب على انزلاق لبنان إلى مواجهة واسعة لا يملك ترف تحمل نتائجها. لذلك تبدو سياسة الاحتواء المتبادل والمواجهات المحدودة أقرب إلى توصيف المرحلة الحالية من احتمالات الحرب الشاملة، وإن كانت المنطقة لا تزال عرضة لأي خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى تصعيد غير محسوب.

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل التحولات الإقليمية الأوسع؛ فخريطة التحالفات تتغير، والضغوط الدولية تتبدل من مرحلة إلى أخرى، كما أن أولويات العديد من الدول العربية باتت مرتبطة بقضايا داخلية وتنموية وأمنية مختلفة. هذه المتغيرات جعلت القضية اللبنانية جزءًا من مشهد إقليمي أكثر تشابكًا، وأضعفت قدرة أي طرف على فرض معادلاته بصورة منفردة كما كان الحال في مراحل سابقة.

أما على المستوى العربي الرسمي، فلا يزال العجز واضحًا عن بلورة موقف موحد أو استراتيجية مؤثرة تجاه التطورات المتسارعة. وبينما تتكرر بيانات الإدانة والاستنكار، يبقى السؤال مطروحًا حول مدى قدرة النظام العربي على استعادة دور أكثر فاعلية في إدارة أزمات المنطقة والدفاع عن مصالحها، بدلًا من الاكتفاء بردود الفعل الموسمية.

وإذا استمر الوضع على ما هو عليه، فإن المنطقة قد تبقى عالقة في حالة "اللا حرب واللا سلم"، حيث تتواصل الضربات والردود المحدودة ضمن سقوف محسوبة. لكن احتمالات التصعيد ستظل قائمة، سواء نتيجة خطأ في التقدير أو بسبب تغيرات إقليمية مفاجئة. كما يبقى احتمال التوصل إلى ترتيبات تهدئة جديدة واردًا، وإن كانت مثل هذه الترتيبات غالبًا ما تعالج النتائج المباشرة للأزمة أكثر مما تعالج أسبابها العميقة.

وربما تكمن إحدى مفارقات الصراع في أن التفوق العسكري، مهما بلغ حجمه، لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية. فقد أثبتت تجارب كثيرة في المنطقة وخارجها أن امتلاك القوة لا يعني دائمًا القدرة على فرض الاستقرار أو إنهاء أسباب النزاع. ومن هنا يبرز التساؤل حول ما إذا كانت إسرائيل، رغم تفوقها العسكري والتكنولوجي، قادرة فعلًا على تحويل هذا التفوق إلى واقع سياسي مستقر، أم أنها تدير أزمة طويلة الأمد أكثر مما تحسمها.

إن القوة، في نهاية المطاف، لا تقاس فقط بما تمتلكه الدول أو الحركات من أسلحة وتكنولوجيا، بل كذلك بقدرتها على تحقيق الاستقرار السياسي، واكتساب الشرعية، والحفاظ على تماسك مجتمعاتها. وإسرائيل، رغم تفوقها العسكري الكبير، لا تزال تواجه أسئلة تتعلق بقدرتها على تحويل هذا التفوق إلى سلام مستدام. وفي المقابل، تواجه قوى المقاومة تحديًا لا يقل أهمية، يتمثل في قدرتها على التكيف مع المتغيرات الجديدة، والحفاظ على حضورها وتأثيرها في بيئة إقليمية تختلف كثيرًا عن تلك التي نشأت فيها.

لقد أثبتت تجارب عديدة أن القوة العسكرية وحدها لا تحسم الصراعات السياسية بصورة نهائية، كما أثبتت أن الشعوب لا تتخلى بسهولة عن قضاياها وهوياتها الوطنية. لكن التاريخ نفسه يبين أن تحقيق الأهداف الكبرى يحتاج إلى رؤية سياسية، ومؤسسات قوية، وقدرة على إدارة التحولات، بقدر ما يحتاج إلى الصمود والتضحية.

ومهما اختلفت القراءات السياسية، يبقى الثابت أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يقوم على التفوق العسكري وحده، كما لا يمكن أن يتحقق في ظل استمرار الاحتلال وتجاهل الحقوق الوطنية للشعوب. فالتجربة التاريخية تشير إلى أن الأزمات المؤجلة لا تختفي، بل تعود بأشكال جديدة كلما غابت المعالجات السياسية العادلة.

ولهذا فإن مستقبل المنطقة لن تحدده الطائرات والصواريخ وحدها، بل ستحدده أيضًا قدرة شعوبها ودولها على بناء توازنات أكثر استقرارًا وعدالة. وبينما تواصل إسرائيل اختبار حدود القوة، يبقى السؤال مفتوحًا حول حدود هذه القوة نفسها، وحول ما إذا كانت قادرة على إنتاج أمن دائم، أم أنها ستبقى أسيرة صراع لم تنجح القوة العسكرية وحدها في حسمه حتى الآن.

الأكثر قراءة

z