مونديال 2026.. القوة الناعمة تعيد رسم خرائط النفوذ العالمي؟

 

 

د. علي موسى الكناني

لم تعد بطولات كأس العالم مجرد منافسات رياضية تحسمها المهارة داخل المستطيل الأخضر، بل تحولت إلى ساحات تتنافس فيها الدول على بناء النفوذ وتعزيز المكانة الدولية. وفي مونديال 2026، الذي تستضيفه الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، يبدو واضحًا أن البطولة تمثل حدثًا سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا بقدر ما هي مناسبة رياضية، لتصبح كرة القدم إحدى أبرز أدوات القوة الناعمة في العلاقات الدولية.

ويُعدُّ مفهوم القوة الناعمة من أبرز المفاهيم التي قدمها الباحث الأمريكي جوزيف ناي في تسعينيات القرن الماضي، إذ عرّفها بأنها قدرة الدولة على تحقيق أهدافها والتأثير في سلوك الآخرين عبر الجاذبية والإقناع، وليس من خلال الإكراه أو استخدام القوة العسكرية والضغوط الاقتصادية. ويرى ناي أن الثقافة، والقيم السياسية، والسياسات الخارجية التي تحظى بالقبول الدولي، تمثل أهم مصادر هذه القوة، لأنها تمنح الدولة قدرة على التأثير المستدام في الرأي العام العالمي.

ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة مونديال 2026 باعتباره تطبيقًا عمليًا لنظرية جوزيف ناي. فالحدث لا يقتصر على التنافس بين المنتخبات، بل يمتد إلى تنافس بين الدول على تقديم أفضل صورة عن مجتمعاتها، وثقافاتها، وقدراتها التنظيمية، وتطورها الاقتصادي والتكنولوجي، بما يعزز مكانتها في النظام الدولي.

ويمثل مونديال 2026 النسخة الأكبر في تاريخ البطولة بمشاركة 48 منتخبًا، وهو ما يضاعف من حجم التأثير الإعلامي والجماهيري، ويجعل من البطولة منصة عالمية لإبراز الهوية الوطنية، والترويج للاستثمار والسياحة، وتعزيز العلاقات الدولية من خلال ما يُعرف بالدبلوماسية الرياضية.

وتدرك الولايات المتحدة، باعتبارها الدولة المستضيفة لأغلب مباريات البطولة، أن نجاح التنظيم يمثل رسالة استراتيجية قبل أن يكون نجاحًا رياضيًا. فهي تسعى إلى تأكيد قدرتها على قيادة الأحداث العالمية، وإبراز تفوقها في مجالات التكنولوجيا، والبنية التحتية، والإعلام، وصناعة الترفيه، في وقت يشهد العالم تنافسًا متزايدًا على النفوذ بين القوى الكبرى.

أما كندا، فتقدم نفسها من خلال البطولة بوصفها نموذجًا للتعددية الثقافية والتعايش والانفتاح، وهي قيم تشكل جزءًا من هويتها السياسية والدبلوماسية. وفي المقابل، تستثمر المكسيك الحدث لإبراز إرثها الحضاري والثقافي، وتعزيز قطاعها السياحي، وإظهار قدرتها على تنظيم حدث عالمي بهذا الحجم، بما ينعكس إيجابًا على صورتها الدولية.

ولا يقتصر توظيف القوة الناعمة على الدول المنظمة، بل يشمل المنتخبات المشاركة أيضًا. فكل إنجاز رياضي، أو موقف إنساني، أو سلوك حضاري داخل الملاعب وخارجها، يتحول إلى رسالة سياسية وثقافية غير مباشرة. وقد أثبتت التجارب السابقة أن النجاح الرياضي كثيرًا ما يسهم في تحسين الصورة الذهنية للدول، ويمنحها حضورًا إعلاميًا ودبلوماسيًا يصعب تحقيقه عبر الوسائل التقليدية.

كما أصبحت الجماهير شريكًا رئيسًا في صناعة القوة الناعمة، من خلال نقل ثقافات بلدانها، وعاداتها، وأزيائها، وقيمها، عبر شاشات التلفزيون ومنصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يجعل كل مباراة فرصة لتقديم رواية وطنية جديدة أمام جمهور عالمي.

ومن زاوية أخرى، يمثل المونديال استثمارًا اقتصاديًا واستراتيجيًا طويل الأمد، إذ يسهم في تنشيط السياحة، واستقطاب رؤوس الأموال، والترويج للمدن المستضيفة، وتعزيز العلامات التجارية الوطنية، فضلًا عن إظهار القدرات التقنية في مجالات الأمن الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وإدارة الحشود.

غير أن البطولة تكشف أيضًا أن القوة الناعمة لا تنفصل عن البيئة السياسية الدولية. فالنقاشات المتعلقة بالهجرة، والأمن، وحقوق الإنسان، والتنافس الاقتصادي، تحضر بالتوازي مع المنافسات الرياضية، الأمر الذي يؤكد أن كأس العالم أصبح جزءًا من أدوات الدبلوماسية العامة، ومنصات التأثير في الرأي العام العالمي.

إن مونديال 2026 يعكس بوضوح التحول في مفهوم القوة خلال العقود الأخيرة، حيث لم يعد النفوذ يقاس فقط بحجم الجيوش أو القدرات الاقتصادية، وإنما بقدرة الدولة على كسب الثقة، وصناعة الإعجاب، وتقديم نموذج جاذب للآخرين. وهذا ما قصده جوزيف ناي عندما أكد أن أكثر أشكال القوة استدامة هي تلك التي تجعل الآخرين يريدون ما تريده أنت، لا لأنهم مجبرون، بل لأنهم مقتنعون به.

وبينما تتنافس المنتخبات على رفع كأس العالم، تخوض الدول منافسة أكثر عمقًا على ترسيخ صورتها الدولية، وتعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي والثقافي. وهكذا يتحول المونديال إلى ساحة تمارس فيها القوة الناعمة دورها بأعلى مستوياتها، لتؤكد أن الانتصار الحقيقي في القرن الحادي والعشرين لا يتحقق فقط داخل الملاعب، بل أيضًا في ميدان التأثير وكسب العقول والقلوب.

الأكثر قراءة

z