د. صالح الفهدي
في أحد المجالس وأثناء استقبالات العيد كُنتُ أستقبلُ كل من أُصافحهُ بعبارات مختلفة "عيدك مبارك"، "كل عام وأنتَ بخير"، "هُنِّئتم بالعيد" وغيرها من العبارات، حتى فطن الجالسون جنبي يمينًا وشمالًا، فشعروا أنَّ الأَمر يتجاوزُ مقصدهُ التهنئة، حينها قلتُ لهم: إنني أضعُ الذين يصافحونني في اختبار خاصَّةً الفتيان والناشئة لأنظرَ ماذا يردُّون، وهل يمتلكون النباهة في الردِّ المناسب دون تلكُّؤٍ؟ لكن الذي حدث أنَّ قلَّةً نادرةً منهم من كانَ يستطيعُ الرد بعبارةٍ بسيطةٍ، وكأنني كُنتُ أُلقي عليهِ لُغزًا محيِّرًا، حتى أن البعضَ منهم من أعياهُ الردُّ، كان يكتفي بالذهول، ويداريه بابتسامةٍ باهتةٍ، خاطفةٍ، لتخلِّصهُ من حرج الموقف!
وهنا يبدُر السؤال: لماذا يعجز الأبناء عن الرد على عبارات التهنئة؟ صحيحٌ أنَّ الأعيادَ تأتي مرَّتين في العام، ولهذا ينسى البعض العبارات التي قد يكون حفظها في عيدٍ سابق، لكنَّ الأمرَ لا يقتصرُ على الردِّ على "تهنئةِ العيد" وإنَّما يمتدُّ إلى مواقفَ حياتية مختلفة يقفُ الواحدَ منهم عييًّا، مذهولًا، تخرسُ لسانهُ فلا يكادُ يُبين! كعبارات تُقال في امتداح الشخصية، أو في المجالس، أو المناشدة الاجتماعية، أو حتى عند تلقِّي تعليقات سلبيةٍ، هازئة.
علينا أن ننظرَ إلى الأمرِ من زاويةٍ أعمق تتعلَّقُ ببناءِ الشخصيةِ تربويًّا، وتعليميَّا، وذاتيًّا، فالتربية لها دورٌ مهمٌ في تكوينِ قاعدةٍ صلبةٍ من الوعي الاجتماعي، وتجسير الفجوة التواصلية واللغوية التي يواجهها جيل اليوم بسبب المساحة الواسعة من الاهتمام والتي يمنحها للعالم الافتراضي الذي لا يواجههُ مواجهةَ البشرَ في الواقع، وبالتالي يفتقدُ إلى الإيماءات، والإشارات، التي تتطلبها لغةُ الجسد، كما يضعفُ في جانبِ التواصل اللغوي الذي يفقده معجمهُ اللغوي شيئًا فشيئا.
وحين يكونُ الأبُ قدوةً يخالطُ المجتمعَ في مجالسه، ويصطحبُ أبناءه، فإنَّ ذلك سيكون حافزا لهم للتعلُّم من هذه المجالس، ومن ذلك الفطنةُ في الردِّ، والبداهةِ في التفاعل. على أنَّ الأب لا يقتصرُ دورهُ في اصطحاب الأبناءِ وحسب؛ بل عليه أن يبني مخزونهم من خلال التلقين المسبق، ولعلَّ عادة "المناشدة" هي من أُولى العادات التي على الأبِ أن يلقِّنها لأبنائه، لأنها تُعدُّ جزءًا أصيلاً من عادات التواصل الاجتماعي العُماني، كما أنَّ الأبناء بحاجة إلى قائمة من "الردود القياسية" المُريحة. يجب تعليمهم أن عبارة "عيدك مبارك" يُرد عليها بـ"أيامك سعيدة" أو "عيدك سعيد". وأن "كل عام وأنت بخير" يقابلها "وأنتم بصحة وسلامة" فحفظ هذه الثنائيات يقلِّل من تشتت الذهن، وحالة الجمود. ولا شكَّ أننا كآباء نقوم بـ"مسرحة المواقف" في البيوت خاصةً؛ فنؤدي دور الضيف، أو المضيِّف حيث يطلب من الأبناء الرد السريع، ومع التكرار في تلك المواقف تزداد ثقتهم في أنفسهم، ويكسرون حاجز الرهبة، والذهول.
أمَّا البيئة فلها دورها المهم هي أيضًا فالقُرى تحتضنُ بالمجالس أكثرَ من المدن، والأبناءُ في القرى يمتلكون النباهةَ في الردِّ لكثرةِ المخالطةِ الاجتماعية في المجالس.
أمَّا التعليم فله دوره الريادي في بناء الشخصية الإنسانية، إلَّا أنه للأسف ركَّزَ على العلوم الطبيعية أكثر من تركيزه على العلوم الإنسانية، وعلى مقوِّمات الشخصية، ولهذا لن تستغربَ أن تجدَ شابًّا ذكيًّا لكنَّه لا يجيدُ التفاعل والتعامل مع الناس، ويفتقدُ إلى مقوِّمات أساسية لبناءِ الشخصية.
كان على التعليم أن يبني شخصية المتعلم بناءً قويمًا مبتدأً بالأُسس التي تقوي شخصيته، وتزيدُ من وعيه، وترفع من مستوى تفاعله الاجتماعي، وبداهة اتخاذ القرار لديه. ولا شك بأن المناهج الخفية يمكن أن تؤدي دوراً مهما في تكريس العادات، وزيادة الثقة في التواصل الاجتماعي الواقعي، وتكسر حواجز الرهبة الاجتماعية.
المساجدُ ومراكزُ القرآن لها هي الأُخرى الدور المؤثِّر في بناءِ الشخصيات؛ إذ لا يمكنها أن تحصرَ دورها في تحفيظ القرآن الكريم، بل في ربطهِ بحياةِ الإنسان، وقيمه، وسلوكه، فينشأُ وهو قويمُ الشخصية، سليمُ الفكر، بيِّن الحجَّةِ، واضحُ القرار.
إنَّ تغذية الأبناء بما يقوِّم شخصياتهم، ويرفع من مستوى وعيهم الاجتماعي هي مهمَّةٌ يجب أن يتضافر من أجلها الجميع، فكلُّ من يستطيع أن يعزِّز الأخلاقيات، أو يوطِّد العادات لا يستحقرُ عمله لقولهِ أنَّه فرد يواجهُ المجتمع. قال لي أحدهم: "إنك بتهنئتك هذه لهم بصوتٍ رفيع إنَّما تدفعهم لتفادي الإحراج في مثل هذه المواقف مستقبلًا، وتحفِّزهم لزيادة مخزونهم اللغوي للرد السريع على هذه العبارات، أو المواقف".
وفي الأخيرِ نقول إنَّ مهارة الرَّد الاجتماعي ليست مجرد قوالب لفظية جامدة، أو عبارات جاهزة، لكنها جسورٌ تعزِّزُ الذكاء العاطفي للأبناء، وتربطهم بهويتهم الثقافية والاجتماعية، وأنَّ تدريبهم عليها هو استثمار في بناء شخصياتهم الواثقة والقادرة على القيادة بحسن لباقة وحضور.
