جيل المستقبل في مصيدة "الخوارزميات"

مختصون وأولياء أمور لـ"الرؤية": منصات التواصل الاجتماعي تسرق عقول الأطفال.. وانشغال الأسرة يدفع الأبناء نحو العزلة

 

المعمري: خوارزميات المنصات الرقمية قد تعرض محتوى غير مناسب للأطفال

الحراصية: وسائل التواصل الاجتماعي تؤثر على المستوى الدراسي للكثير من الطلبة

الحسني: منصات التواصل الاجتماعي تجعل الطفل أكثر عنادا

الأنصارية: يمكن تسخير السوشيال ميديا لتعزيز التعلم والترفيه تحت إشراف الأسرة

 

الرؤية- سجى الرحبية

أكد عدد من المختصين وأولياء الأمور أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت جزءا من الحياة اليومية للأطفال سواء بجوانبها الإيجابية والتي تتمثل في فرص التعلم والتواصل، أو الجوانب السلبية التي تتضمن الكثير من المخاطر من حيث التأثير على سلوك الطفل والصحة النفسية لدى الأبناء وضعف المستوى الدراسي.

وأضافوا- في تصريحات لـ"الرؤية"- أن صدور المرسوم السلطاني رقم (2026/61) بإصدار قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، يساهم في تعزيز الجهود الرامية لمواجهة الجرائم الإلكترونية وحماية أفراد المجتمع وبالأخص الفئات الأكثر عرضة للمخاطر مثل الأطفال الذين يكونون أكثر عرضة لمخاطر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي.

ويقول محمود الحسني -أخصائي نفسي- إنَّ وسائل التواصل الاجتماعي ليست شرا بحد ذاتها لكنها قد تصبح بيئة مؤثرة نفسياً على الأطفال، حيث لا يمتلك الطفل النضج الكافي لتمييز المحتوى الحقيقي من المصطنع، مما يجعله أكثر عرضة للتأثر بما يشاهده، مضيفاً أن الاستخدام المفرط لهذه المنصات قد يؤدي إلى اضطرابات في النوم وضعف التركيز وأيضا زيادة العصبية، وانخفاض الدافعية، إلى جانب العزلة التدريجية عن الأسرة والأنشطة اليومية، كما أن الطفل قد يفقد مع الوقت استمتاعه باللعب والقراءة والتواصل المباشر.

ويشير الحسني إلى أن وسائل التواصل قد تؤثر أيضاً على ثقة الطفل بنفسه نتيجة المقارنة المستمرة مع الصور والمحتويات المثالية، مما يجعل تقديره لذاته مرتبطا بالإعجابات والتعليقات بدلا من قدراته الحقيقية، لافتاً إلى أن التعرض المستمر للمحتوى الرقمي والتنبيهات المتكررة قد يزيد من مستويات القلق والتوتر، كما ينعكس على سلوك الطفل، فتضعف لديه مهارات الحوار، والتواصل الاجتماعي وحل المشكلات وتكوين العلاقات الواقعية.

ويبيّن الأخصائي النفسي أن من أبرز المؤشرات التي تستدعي انتباه الأسرة: الانعزال والعصبية عند فقدان الهاتف واضطرابات النوم، وتراجع المستوى الدراسي، وفقدان الاهتمام بالأنشطة المعتادة، وكثرة مقارنة الطفل نفسه بالآخرين، مؤكدا أن تأخير استخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي يعد خيارا أفضل من الجانب النفسي، مع ضرورة مراعاة مستوى نضج الطفل، ووجود رقابة أسرية واختيار المحتوى المناسب.

ويوضح أن أهمية حماية الأطفال لا تكون بالمنع التام أو الحرية المطلقة، وإنما بتحقيق التوازن من خلال تنظيم أوقات الاستخدام، وإبعاد الأجهزة عن غرف النوم، وتعزيز الحوار والأنشطة الأسرية، حتى ينشأ الطفل في بيئة قادرا على الاستفادة من العالم الرقمي دون أن يتأثر به سلبا.

وفي السياق، يقول يعرب المعمري -مختص في الذكاء الاصطناعي- إن الذكاء الاصطناعي أصبح الآن هو المحرك الأساسي لمنصات التواصل الاجتماعي، حيث يتولى اختيار المحتوى واقتراح الفيديوهات والحسابات وفقاً لاهتمامات المستخدمين، مبينا أن الذكاء الاصطناعي قد يسهم في تقديم محتوى تعليمي وإبداعي للأطفال، لكنه في المقابل قد يدفعهم إلى قضاء وقت أطول على المنصات من خلال خوارزميات مصممة لجذب الانتباه، وأن أثر ذلك الأمر يعتمد على آليات تصميم المنصة ومستوى الحماية المطبق فيها.

ويضيف المعمري أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تعتمد على سلوك الطفل واهتماماته السابقة لاقتراح محتوى مشابه لما يشاهده، إلا أنها قد تعرض أحياناً محتوى غير مناسب للعمر أو يتضمن معلومات مضللة، خاصة عند عدم تفعيل إعدادات الأمان والرقابة، لافتاً إلى أن منصات التواصل وفرت خلال السنوات الأخيرة أدوات متعددة لحماية الأطفال، مثل الرقابة الأبوية، وتحديد العمر، وإدارة وقت الاستخدام، وحجب بعض أنواع المحتوى، إلا أن هذه الأدوات لا توفر حماية كاملة في ظل التطور المتسارع للمحتوى الرقمي، مما يجعل دور الأسرة والتوعية الرقمية عنصرين أساسيين في حماية الأطفال.

ويذكر المعمري أن أبرز المخاطر التقنية تتمثل في التعرض للمحتوى غير الملائم، والتنمر الإلكتروني، ومحاولات الاحتيال والاستدراج وانتهاك الخصوصية،  إضافة إلى تأثير الخوارزميات التي قد تدفع الطفل إلى الانغلاق داخل دائرة من المحتوى المتكرر، بما يؤثر توازنه النفسي والاجتماعي، موضحا هناك العديد من التقنيات التي تساعد أولياء الأمور على تنظيم استخدام الأطفال للأجهزة والمنصات، من بينها تطبيقات الرقابة الأبوية، وإعدادات الإشراف العائلي، وتحديد ساعات الاستخدام، ومراقبة التطبيقات، وحجب المحتوى غير المناسب .

وفي السياق، تؤكد المعلمة فخرية الحراصية أن وسائل التواصل الاجتماعي تركت أثرا واضحا على سلوك الطلاب داخل الصف، موضحة أن بعضهم أصبح ينشغل بمتابعة الرسائل والإشعارات أكثر من اهتمامه بالواجبات والمهام المدرسية، مما ينعكس على تفاعلهم أثناء الحصص المدرسية، مشيرة إلى أن الاستخدام المتكرر لمنصات التواصل، خاصة خلال ساعات متأخرة من الليل، يؤثر على الانتباه والاستيعاب خلال اليوم الدراسي.

وتضيف الحراصية أن من أبرز السلوكيات التي لاحظتها بين الطلاب: ضعف التركيز، وتقليد بعض المشاهير، وعدم احترام الآخرين، والغياب المتكرر، والتأخر عن الدوام المدرسي، إضافة إلى النوم أثناء الحصص المدرسية، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تراجع المستوى الدراسي، مؤكدة أنَّ الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي قد يؤثر في التحصيل الدراسي، حيث ينعكس سلبا على إنجاز الواجبات المدرسية والالتزام بالمهام التعليمية، كما إن تفاعل الطلاب داخل الصف تغير مقارنة بما قبل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان الطلاب أكثر دافعية للتعلم واهتماما بالدراسة، وأكثر حرصا على التفوق والمشاركة داخل الفصل الدراسي .

بدوره، يشير ولي الأمر خالد الحسني إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبح لها تأثير ملحوظ في سلوك الأطفال، وأنها قد تجعل الطفل أكثر عنادا عند مطالبته بتنظيم وقته أو ترك الهاتف لإنجاز واجباته الدراسية أو الأسرية، الأمر الذي يشكل تحديا يوميا داخل الأسرة، موضحا أن من أبرز الصعوبات التي يواجهها كأب هي متابعة استخدام أبنائه للأجهزة في ساعات متأخرة من الليل، خاصة مع ارتباطه بأعماله والتزاماته في الصباح الباكر، مما يجعل الرقابة أمرا ليس بالسهل.

ويبيّن أن الحرص على وضع ضوابط وأوقات محددة لاستخدام الأجهزة الذكية يعد من الأمور الضرورية، إيمانا بأهمية غرس قيمة تنظيم الوقت لدى الأبناء منذ الصغر، حتى يكتسبوا عادات تساعدهم على تحقيق التوازان بين استخدام التقنية وممارسة حياتهم اليومية، لافتا إلى أن تحقيق هذا التوازن يتطلب الاستفادة من أدوات الرقابة الأبوية والتقنيات التي تمنع الوصول إلى المواقع غير الآمنة، إلى جانب تحديد مدة استخدام الأجهزة بما يسهم في الحد من الإفراط في استخدامها.

ويقول الحسني: "الأسرة اليوم تواجه تحديا أكبر في توجيه الأطفال في ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، ومن أكثر ما يثير القلق هو تعرض الأطفال للمحتوى غير مناسب أو تواصلهم مع أشخاص مجهولين من داخل الدولة أو خارجها قد تكون لهم أهداف غير سليمة، الأمر الذي يستدعي زيادة الوعي والرقابة الأسرية المستمرة، ولقد تزايدت مخاطر وسائل التواصل الاجتماعي بسبب الانتشار الواسع وما تحمله وسائل التواصل من محتويات متنوعة يصعب التحكم فيها بشكل كامل".

وتؤكد ولية الأمر ميساء الأنصارية أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت جزءا أساسيا من حياة الأطفال لكونها وسيلة للتواصل والتعلم والترفيه، لافتة إلى أن استخدامها بشكل صحيح وتحت إشراف الأسرة يمكن أن يحقق فوائد عديدة.

وتضيف أن أبناءها استفادوا من المحتوى التعليمي عبر الإنترنت، حيث اكتسبوا مهارات جديدة، كما تحسنت لغتهم الإنجليزية وساعدتهم بعض القنوات المخصصة للأطفال على حفظ سور من القرآن الكريم بطريقة ممتعة، موضحة أنها لاحظت بعض التغيرات السلوكية لدى أطفالها، من بينها زيادة الحركة، وتقليد بعض الشخصيات والمؤثرين الذين يشاهدونهم عبر المنصات الرقمية، إلى جانب ظهور بعض السلوكيات التي تتسم بالعنف والانفعال نتيجة التأثر ببعض أنواع المحتوى، الأمر الذي دفعها إلى متابعة ما يشاهدونه وتوجيههم باستمرار نحو الاستخدام الآمن والمسؤول والإيجابي.

وتلفت الأنصارية إلى أن أكثر ما يثير قلقها هو تعرض الأطفال لمحتوى غير مناسب لأعمارهم، أو تأثرهم بأفكار وسلوكيات سلبية، مضيفة أن الإفراط في استخدام الأجهزة الإلكترونية يؤثر على الدراسة والأنشطة الاجتماعية والبدنية، فضلا عن المخاوف المتعلقة بالخصوصية والسلامة أثناء استخدام الإنترنت،

وتؤكد ميساء أن الأسرة تتحمل مسؤولية كبيرة في توجيه الأطفال نحو الاستخدام الآمن لوسائل التواصل الاجتماعي، من خلال وضع قواعد واضحة لاستخدام الأجهزة، ومراقبة المحتوى الذي يشاهدونه، وتعزيز الحوار معهم حول الاستخدام المسؤول للإنترنت، إلى جانب أن يكون ولي الأمر قدوة في الاستخدام المتوازن للتقنية.

وتقول: "من المهم تنظيم وقت استخدام الأطفال للأجهزة الإلكترونية من خلال تحديد ساعات يومية وإيقاف استخدامها بعد انتهاء الوقت المخصص، مع الحرص التام على اختيار محتوى مناسب للأطفال، وتشجيعهم على القراءة وممارسة الرياضة، واللعب، والتفاعل الأسري، بما يحقق توازنا بين الاستفادة من التقنية والمحافظة على نموهم السليم ".

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z