المجالس مدارس

 

 

د. صالح الفهدي

نعتبرُ المجالس -نحن العمانيين- مدارس لنا ولأبنائنا، ففيها تُبنى الرجولة الحقَّة، وفيها تتجلَّى آداب السمت، ومنها يتخرَّج الرجالُ الأصلاء الذين يعرفون قدرهم، وقدر الآخرين. وإذا كان آباؤنا قد ربَّونا في المجالس، فإننا لم نغفل أن نربي أبناءنا في المجالس كذلك. على أننا ننتقي المجالس التي نحضرها أو التي نقيمها. فأما التي نحضرها، فنعرفُ أننا سنكسبُ من أهلها ما يضيفُ إلينا وإلى شخصيات أبنائنا، ونسعى إليها جاهدين، خاصةً لزيارة الأعلام والقامات الذين يقدِّمون في المجالس عصارات خبراتهم وتجاربهم الحياتية. وأما التي نقيمها، فإننا نكون حريصين على أن يكون الضيوف ممن يُكسبوننا علمًا وأدبًا وتجربةً وخبرةً. فإن دعوتُ ضيفًا، فيعنيني من أدعو معه من الضيوف الذين يتوافقون مع حضوره، ويتجانسون مع سياق حديثه، ونطاق اهتمامه. وهذا ما دفع أحد الوجهاء، ممن أكرمني بزيارته، إلى أن يكتب لي في رسالة نصية لاحقة: "يبدو أن الحضور قد تم انتقاؤهم بعناية". وهذا الأمر مهم جدًا؛ لأن تآلف الحضور منفعةٌ للمجلس. فأذكرُ أن مجلسًا من المجالس التي دعوتُ إليها بعض الأصحاب والمعارف، كان الحديثُ فيها منسجمًا ومترابطًا، فما إن ينتهي أحدهم من قصة، أو موقف، أو رأي، حتى يستلم الآخر طرف الحديث دون إخلال بتسلسله وموضوعه.

أما الأمر الآخر الذي تعلَّمناهُ في مجالس الآباء، فهو الصمتُ والإصغاء عند حديث أولي الرأي والتجربة والخبرة، حتى ينتفع الحضور بقولهم، ويستفيدوا من أحاديثهم، ويتعلموا من تجاربهم. ولهذا فإنني أحرص، كبير الحرص، على أن يستمع الحضور إلى متحدث واحد، فإن انتهى تحدث غيره، والجميع يصغي إليه. أما تشظي المجلس إلى أحاديث عديدة، فذلك أمرٌ أستقبحه، إلا أن تكون له أسبابه. ففي أحد المجالس، وحين لاحظت أن بعض الجلَّاس قد أنشأوا حديثًا جانبيًا يشوِّش على فكرة المتحدث الواحد، رفعتُ صوتي لأطلبَ من أحد المحافظين السابقين أن يحدثنا عن الدروس التي استخلصها من مسيرته وتعاملاته مع الناس، وحينما تحدث لفت أنظار البقية، واختفت الأحاديث الجانبية.

إن الصمتَ في المجالس سمةٌ من سمات السمت العُماني، وأدبٌ من آداب المجالس العربية، وفي هذا أقول بضعة أبيات:

آلا إن صمتي في المجالسِ هيبةٌ

إذا لم أجد في قيمة القولِ داعيًا

حفظتُ به جنبي، وأكرمتُ جبهتي

ووقَّرتُ إن لم يُلزمِ القولُ حاليًا

فلا تحسبنَّ الصمتَ ضعفًا، وإنما

يجلُّك شأنًا بالمهابةِ راقيًا

وقد كتب لي أحد الأصدقاء الكرماء، بعد أن قرأ الأبيات، قائلًا: "سمعت قصة رواها لي أحد الأصدقاء الثقات، وقد حدثت عندما اجتمع السلطان قابوس بن سعيد - طيب الله ثراه - بالعلماء والمفكرين الذين اشتغلوا في موسوعة السلطان قابوس للأسماء العربية، وكان من بينهم فضيلة الشيخ العلامة سالم بن حمود السيابي، وتحدث الحضور، إلا الشيخ سالم بن حمود السيابي، فلم ينبس ببنت شفة، وكاد الاجتماع أن ينتهي، ففطن جلالة السلطان إلى صمته، وقال -رحمه الله- موجِّهًا حديثه إلى الشيخ سالم: الكل تحدث، ولكننا لم نستمع إلى الشيخ سالم. وهنا صمت الجميع. فقال الشيخ: الكلام في مجلس السلطان له آدابه وأحكامه، ومنها الاستئذان بالحديث من السلطان نفسه، وبدون إذنكم، فلن أقحم نفسي لأزاحم غيري من المتحدثين. فأذن له السلطان، وبدأ الشيخ في الحديث".

ولمجالسنا جزءٌ كبير من تربيتنا لأبنائنا، فمن أعظم فضائلها لقاء الشباب بكبار السن، فتنتقل الحكمة والتجربة بصورة طبيعية، ويستمر التواصل بين الماضي والحاضر.

وفي الوقت الذي تقوم فيه المدرسة بتعليم المعارف والمهارات الأكاديمية، كانت المجالس العُمانية تقوم بتعليم ما هو أعمق وأبقى؛ إذ تُربي الإنسان على القيم، وتغرس فيه الهوية، وتبني شخصيته الاجتماعية، وتعلمه كيف يتعامل مع الناس، وكيف يحاور، وكيف يحترم، وكيف يخدم مجتمعه.

ولهذا، فإن المحافظة على المجالس ليست محافظةً على عادة اجتماعية، وإنما هي محافظة على مؤسسة تربوية أصيلة أسهمت في صناعة الشخصية العُمانية عبر التاريخ.

لقد تعلم الإنسان العماني في المجالس مهارات شتى، كحسن الإصغاء، وإدارة الحوار، واحترام الرأي الآخر، والإقناع بالحجة، وضبط الانفعال، وتحمل المسؤولية. كما اكتسب منها قيمًا رفيعةً؛ كالاحترام (احترام الكبير، وتقدير العلماء، وإكرام الضيف، ومراعاة مشاعر الآخرين)، والتواضع (فالمجلس يجمع الجميع دون تمييز، ويجلس الناس فيه بروح الأخوة، بعيدًا عن مظاهر الكبر والتعالي)، والكرم (ويظهر في حسن الاستقبال، وإكرام الضيف، والبشاشة، وحسن الضيافة)، والشورى (فالمجلس مساحة للحوار والتشاور، والاستماع إلى مختلف الآراء قبل اتخاذ القرار)، والتسامح (حيث تُناقش الآراء المختلفة دون تجريح أو إساءة، مما يعزز التعايش واحترام التنوع)، وحفظ اللسان (ففي المجالس الأصيلة يُبتعد عن الغيبة والنميمة والسخرية، ويُحفظ للناس قدرهم وكرامتهم)، والتكافل (فالمجلس منصة لتفقد أحوال الناس، وإطلاق المبادرات الاجتماعية، وجمع الكلمة في أوقات الشدائد)، والانتماء للوطن (من خلال الحديث عن تاريخ عُمان، وإنجازاتها، ورموزها، وترسيخ الاعتزاز بالهوية الوطنية).

لقد كانت المجالس العُمانية، عبر التاريخ -ولا تزال- مصنعًا للرجال، ومدرسةً للقيم، وجسرًا يصل بين الأجيال، ومؤسسةً تحفظ الهوية وتبني الإنسان. وإذا كانت المدارس تُخرِّج المتعلمين، فإن المجالس كانت، ولا تزال، تُسهم في تخريج المواطنين الصالحين الذين يجمعون بين العلم والأدب، وبين المعرفة والحكمة، وبين الانتماء والمسؤولية.

إن الاستثمار الحقيقي في المجالس ليس في عمرانها أو اتساعها، وإنما في رسالتها؛ فإذا عادت المجالس إلى أداء دورها التربوي والثقافي والاجتماعي، فإنها ستبقى من أقوى الحصون التي تحفظ السمت العُماني، وتغرس في نفوس النشء قيم الاحترام، والكرم، والتسامح، والشورى، والانتماء، والمسؤولية، ليظل الوطن غنيًا بأخلاق أبنائه، كما هو غني بتاريخهم وحضارتهم.

الأكثر قراءة

z