د. صالح الفهدي
عبارة قالها لي أحد مديري الدوائر في جهةٍ حكومية، ونحن في معرض حديثنا عن أن المواطن العُماني يمثِّل وطنه أينما كان؛ يمثِّله في القيم التي نشأ عليها، وعُرف بها الوطن، كالخلق السامي من صدقٍ وأمانةٍ وتواضع، وكرمٍ، وطيبةٍ، ووفاءٍ، واحترامٍ للآخرين، ويمثِّله في تاريخه، فهو ابن سلالةٍ مجيدة لها حضورها في التاريخ، ولها إنجازاتها الحضارية المشهودة، ويمثله في ثقافته بما تشمله من عاداتٍ وتقاليد وأخلاقيات وسلوكيات.
في كل مطار، وفي كل مؤتمر، وفي كل بطولة رياضية، وفي كل محفل، وفي كل موقف إنساني، يحمل المواطن وطنه معه؛ فهو ليس مجرد فرد يعيش داخل حدود جغرافيا معينة، بل هو سفيرٌ لقيمها، ومرآةٌ لتاريخها، وصورةٌ لحضارتها، ولهذا يُقال: "الوطن يُعرف بأهله قبل أن يُعرف بمعالمه".
إذا التقى الناس بشخص واحد من دولة ما، بنوا تصوراتهم عن ملايين المواطنين من خلال أخلاقه وسلوكه؛ فإن كان محترمًا، صادقًا، مهذبًا، أمينًا، متقنًا لعمله، قالوا: "هكذا هم أبناء هذا البلد". وإن كان على النقيض، أساء إلى وطنه قبل أن يسيء إلى نفسه.
أحد الأستراليين نزل مطارَ مسقط، فعامله ضابطُ أمنٍ معاملةً طيبة، مما جعله يحبُّ البلد، ويتعلم العربية من خلاله، ويأتي إليه عانيًا ليستكشف ثقافته. ألمانية لاقت التضحية والمعاملة الطيبة من أسرةٍ عمانية، فأنجبت ابنتين أسمتهما بأسماء عُمانية، وفضَّلت العمل في سلطنة عُمان. مواطن ليبي أكرمه صاحبُ سيارة أُجرة بعد أن أخذه في جولة في مسقط، فرأى فيه أخلاق العمانيين. ولن ننتهي من ضرب الأمثلة إذا استطردنا في هذا الحديث، ونحن نذكر جنسيات مختلفة تأثرت بسلوك المواطن العُماني وأخلاقه قديمًا وحديثًا.
إن تمثيل الوطن لا يقتصر على السفراء أو المسؤولين، بل يشمل كل عُماني، فالموظف يمثِّل وطنه في مكتبه، والمعلم في فصله الدراسي، والطبيب في عيادته، والسائق في الطريق، والتاجر في سوقه، والطالب في جامعته، والإعلامي في رسالته، والرياضي في ميدانه.
لقد شهدنا موظفًا بسيطًا لا ينهض من كرسيه حين تراجعه في مصلحة وُضع لخدمتها، ووجهه متجهمٌ عابس، وشهدنا وزيرًا يلقاك بالترحاب والبشاشة، فما غرَّ الأول إلا نفسه، وما تواضع الثاني إلا لنفسه، وشهدنا مَن يكتب في وسائل التواصل الاجتماعي كلامًا لا يليق بالمجتمع الذي ينتمي إليه أدبًا وتربيةً وأخلاقًا، كما شهدنا مَن يرقى بأسلوب التخاطب مع الآخرين، وشهدنا مَن يعامل الناس بطرًا وتكبرًا، وعلى نقيضه مَن يعاملهم تواضعًا وتبسطًا، الأولون غرَّتهم أنفسهم فنسوا معنى الانتماء إلى الوطن، والآخرون نصَّبوا أنفسهم رايات ترفرف في سماء الوطن.
وهكذا، فإن على كل مواطن أن يُدرك هذا الأمر، فالطالب الذي يدرس في الخارج عليه أن يلتزم بالأخلاق واحترام الأنظمة والقوانين لتلك البلاد، فيترك انطباعًا حسنًا عن أبناء عُمان، والطبيب الذي يعالج المرضى عليه أن يُخلص في مهنته، ويكون أمينًا، حاملًا لأخلاق وطنه، والتاجر عليه أن يلتزم بالصدق والأمانة في البيع والتعامل، والسائح عليه أن يحافظ على نظافة المكان الذي يزوره، فيعكس ثقافة وطنه واحترامه للبيئة، والموظف عليه أن يستقبل المراجعين بابتسامة واحترام، فيجعل المراجع، أكان مواطنًا أم أجنبيًا، يحمل صورة مشرقة عن مؤسسات بلاده.
أذكر أنني تحاورت مع أحد الخليجيين في بلدٍ أوروبي حين قال لي: أنا لا أحبُّ هذا الشعب، فلما تناقشت معه وجدت أنه قد تأثَّر بموقف مواطنٍ صاحبِ سيارةِ أُجرة من ذلك الشعب، ونحن لسنا مع التعميم، لكن تصرُّف الفرد يؤثِّر في صورة الجماعة.
الشاهد أنَّ سماء الوطن لا يرفرف في ذراها العلم المنصوب على سارية وحده، بل ترفرف معه أخلاق المواطن وسلوكه قبل أي شيء آخر. وما المواطن إلا صفحة من كتاب وطنه؛ فمن الناس من يكتب صفحةً مشرقة تبقى في الذاكرة، ومنهم من يترك أثرًا يسيء إلى تاريخ بلاده.
ولذلك فإن الوطنية الحقيقية لا تقتصر على حب الوطن بالقول، وإنما تظهر في القيم السامية كالصدق، والأمانة، والإتقان، واحترام القانون، والإحسان إلى الناس؛ فهذه هي اللغة التي يفهمها الناس، وهي التي تجعل المواطن خير ممثل لوطنه، وقيمه، وتاريخه، وعراقته.
