اصنع أثرًا بكلمة

 

 

د. صالح الفهدي

في لفتةٍ عفويةٍ لا تُنسى، أخبرني ابن أخي، الشاب ذو السبعة عشر ربيعًا، بشعوره المريح حين قال بامتنانٍ صادق: "عمي، لقد كنت أشعرُ ببعض الضيق، فقلت لي كلمةً غيَّرتْ مزاجي اليوم كله؛ قلت لي: يا أنيق. لقد كنت أشعرُ قبلها بضيقٍ وإزعاجٍ لم أستطع الفكاك منه، لكن كلمتك تلك أزاحت ذلك الثقل عن نفسي، وجعلت يومي رائقًا".

في هذه اللحظة، لم أكن مستغربًا من شعوره، فقد رأيتُ عبر تجاربَ مختلفةٍ أثرَ الكلمةِ في النفس، أكانت إيجابيةً أم سلبيةً، كما أنني أنتهزُ الفرصةَ كلَّما وجدتُ سانحةً لإبداءِ كلمةِ إشادةٍ أو ثناءٍ، وأحرص على ذلك أكثر إن كان أمام حضرة آخرين، حتى يشعر الشخص المُثنى عليه باهتمامٍ أكبر. فقد أثنيتُ على إمامٍ بعد دعائه مباشرةً على عذوبة صوته، وصلاته المريحة، وأثنيتُ على متنأنِّقٍ في هندامه، وقد نسَّق الألوان في لباسه، وأثنيتُ على ابنٍ أمام أبيه في المسجد حين رأيتُ منه سمات الفطنة، وكثيرةٌ هي المواقف التي لا أحجمُ فيها عن قولِ كلمةٍ تعزِّزُ من نفسيةِ الآخر، الذي أعرفه أو لا أعرفه، ومن يدري، فقد يكون لتلك الكلمة وقعٌ على نفسِ إنسانٍ ما. في أحد العزاءات، لفت نظري طفلٌ يقوم بخدمةِ المعزِّين، والابتسامة لا تفارقه، فناديتهُ وقلت له: "يا محمد، اكبر، ودع الابتسامة تكبر معك". وفي العزاء نفسه، لفت نظري شابٌّ في الثلاثينات كان يوجِّه الضيافةَ للحضور، فأرسلتُ له قصيدةً أُثني عليه فيها لما فيه من الخصال الحميدة. قد تكون هذه الكلمات أشبهُ بالبذور التي تنبتُ في النفس، فتثمر خصالًا طيبةً، وخلالًا حميدةً، وقد تصلحُ إنسانًا، وتغيِّر طبعًا، وتعدِّلُ مزاجًا. وفي المقابل، "الكلمة الطيبة صدقة"، كما جاءَ في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فينالُ بها قائلها الأجر.

في عالمٍ تملؤه الفوضى المعاصرة، وتتشتت فيه الذات بين صخب الرقمنة وضغوط الحياة، يبرز سؤالٌ جوهري: ما الذي يدفعنا للاستمرار؟ تجيب الكاتبتان ربيكا نيوبيرغر غولدشتاين في كتابها "غريزة الأهمية"، وجينيفر بريني والاس في كتابها "الأهمية"، بأن الإجابة تكمن في "الشوق الإنساني الفريد" لأن نكون ذوي أهمية.

وقد يرى البعض أن الشعور بالأهمية هو مجرد ترفٍ عاطفي أو رغبةٍ في نيل الإطراء، ولذلك فإنهم يأنفون من تقديم الإطراء للآخرين، لكن ذلك الرأي غير صحيح، فهو حاجةٌ فطرية تتجاوز متطلبات البقاء المادي. ترى الكاتبتان أن جوهر هذه الحاجة يتلخص في: أنَّ غريزة الأهمية تنبع من حلقة "المعرفة المتبادلة"؛ فنحن لا نكتفي برؤية الآخرين، بل نتوق لأن نكون مرئيين في عيونهم، وأن يُعترف بقيمتنا ووجودنا. كما أنَّ الشعور بالأهمية يعمل "كقوةٍ حياتية" تساعد الإنسان على مواجهة الضياع والحفاظ على توازنه في ظل التشتت الذي يفرضه الوجود المعاصر.

وترى "والاس" أن الاهتمام، كما تطرحه، ليس مفهومًا مجردًا، بل هو "قوةٌ حياتية" تتجسد حينما يرى الآخرون الفرد بعيون التقدير. وهذا التقدير هو الذي يجعل الفرد يدرك أنه "جدير بالاهتمام"، وهو ما يغير -حرفيًا- حالته المزاجية، ويدفع عنه غبار الضيق.

لقد لمستُ أثر هذا المفهوم في موقفٍ عفوي، حينما كان ابن أخي يعاني من ضيقٍ وإزعاج، فجاءت كلمة "أنت أنيق" لتكون بمثابة جسرٍ أعاد له شعوره بتقدير الذات. لقد تحول هذا الثناء من مجرد كلمات إلى "اعترافٍ" بكيانه، مما أنقذ يومه من ثقل الضيق، مؤكدًا أننا حين نرى الآخرين بعيون التقدير، فإننا نمنحهم وقودًا حقيقيًا للحياة.

وإذا كنا ننطلقُ من قاعدتنا القرآنية: ﴿وقولوا للناس حسنًا﴾ (البقرة: 83)، فإن من أرقى الكلام الحسن الثناءَ النقي، وذلك ما جسَّده قول الحقِّ سبحانه لنبيِّه المصطفى: ﴿وإنك لعلى خلقٍ عظيم﴾ (القلم: 4).

إن غريزة الأهمية هي المحرك الخفي لتعاملاتنا، والاعتراف المتبادل هو العملة الحقيقية التي تبني جسور التواصل بين البشر. إن منح الآخرين شعورًا بالأهمية هو فعلٌ نبيل، لا يغير من واقعهم فحسب، بل يمنح حياتنا وحياتهم معنىً أعمق وأكثر ثباتًا في عالمٍ يحتاجُ بشدةٍ إلى المزيد من هذا التواصل الإنساني الصادق.

ولا شكَّ بأنَّ الإنسان، كبيرًا كان أو صغيرًا، هو أحوج ما يكون إلى "المرآة" التي تعكس له أجمل ما فيه. والكلمة الطيبة تعمل كبلسمٍ شافٍ يحوّل مسار اليوم من الانغلاق إلى الانفتاح، يقول إيليا أبو ماضي:

كُن بلسمًا إن صار دهرُك أرقما

وحلاوةً إن صار غيرُك علقما

إن الحياة حبتك كل كنوزها

لا تبخلنّ على الحياة ببعض ما

أَحسِنْ وَإِنْ لَمْ تُجْزَ حَتّى بِالثَّنا

أَيَّ الجَزاءِ الغَيْثُ يَبْغِي إِنْ هَمَى

إن منح الناس شعورًا بأهميتهم ليس فعلًا عابرًا، بل هو فعلٌ إنسانيٌ نبيل؛ فنحن نعيش في عالمٍ يحتاجُ بشدةٍ إلى المزيد من التقدير والاحتفاء بالوجود، ولذلك تذكر دائمًا: كلمتك التي تراها بسيطة، قد تكون هي كل ما يحتاجه الآخر ليتشافى من مزاجٍ متعكِّر، أو ضيقٍ مزعج، أو ليصمد أمام ضغوط يومه. وكما يقول ديل كارنيجي: "أعطِ الناس شعورًا بالأهمية، وستملك قلوبهم".

الأكثر قراءة

z