إسماعيل بن شهاب البلوشي
من بين كل القضايا التي يمكن أن يمل الإنسان من الحديث عنها، يبقى التعليم القضية الوحيدة التي لا أجد نفسي قادرًا على التوقف عن الكتابة فيها. كتبت عشرات المقالات، وناقشت هذا الموضوع في مناسبات عديدة، ومع ذلك ما زلت أشعر أن لدينا الكثير لنقوله؛ لأننا ما زلنا نبحث عن الإجابة الحقيقية للسؤال الأكبر: هل المجتمع هو نتاج التعليم، أم أن التعليم هو نتاج المجتمع؟
قد يبدو السؤال فلسفيًا للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة سؤال مصيري يحدد شكل المستقبل. فإذا كان التعليم هو الذي يصنع المجتمع، فعلينا أن نعيد النظر في كل ما نقدمه لأبنائنا. أما إذا كان المجتمع هو الذي يصنع التعليم، فعلينا أولًا أن نفهم أنفسنا وما نريد أن نكون عليه قبل أن نكتب أي منهج أو نضع أي برنامج دراسي.
ما أراه اليوم في كثير من الأنظمة التعليمية أننا ما زلنا أسرى التقليد أكثر من الإبداع. نستورد نماذج جاهزة، ونقتبس برامج مطبقة في دول أخرى، ونملأ الجداول الدراسية بالمقررات والاختبارات، ثم نمنح الطالب شهادة تؤكد أنه تعلم. لكن السؤال الحقيقي هو: ماذا تعلم؟
هل تعلم كيف يكون إنسانًا صالحًا قبل أن يكون موظفًا ناجحًا؟ هل تعلم كيف يحترم النظام؟ كيف يقف في الطابور؟ كيف يتعامل مع الآخرين؟ كيف يحافظ على الممتلكات العامة؟ كيف يحترم الوقت؟ كيف يتحدث بأدب؟ كيف يختلف دون أن يسيء؟ كيف يحب وطنه ويشعر بمسؤوليته تجاه مجتمعه؟
هذه الأسئلة، في نظري، أهم بكثير من حفظ عشرات المعادلات أو استظهار مئات الصفحات التي قد ينساها بعد أشهر قليلة من الامتحان.
إننا عندما نتحدث عن التعليم غالبًا ما نتجه مباشرة إلى الطب والهندسة والتقنية والعلوم المختلفة، وهي بلا شك تخصصات مهمة وحيوية، لكنها تأتي في مرحلة لاحقة. أما المرحلة الأخطر والأهم فهي السنوات الأولى من عمر الإنسان، من الروضة وحتى نهاية التعليم المدرسي. ففي هذه المرحلة تتشكل الشخصية، وتتكون القيم، وتُبنى السلوكيات التي سترافق الإنسان طوال حياته.
لهذا أرى أن الوقت قد حان لنطرح سؤالًا جريئًا: ماذا نريد من أبنائنا بعد اثني عشر عامًا من الدراسة؟ هل نريد حافظًا للمعلومات فقط؟ أم نريد إنسانًا متزنًا يعرف كيف يعيش ويعمل ويتعامل مع الآخرين؟
قبل أن نكتب المناهج، يجب أن ندرس المجتمع نفسه. ما صفات المجتمع الذي نطمح إليه؟ ما السلوكيات التي نريد تعزيزها؟ ما القيم التي نريد أن تصبح جزءًا من الشخصية العامة للإنسان؟ هل نريد مجتمعًا منضبطًا؟ منتجًا؟ متعاونًا؟ صادقًا؟ محافظًا على البيئة؟ محترمًا للقانون؟ مؤمنًا بقيمة العمل؟
إذا استطعنا الإجابة عن هذه الأسئلة بوضوح، فسنستطيع بعدها أن نبني نظامًا تعليميًا يخدم هذه الأهداف.
إن التعليم الحقيقي ليس مجرد نقل للمعلومات، بل هو صناعة للإنسان. ولذلك فإنني أؤمن بأن التعليم السلوكي يجب أن يحتل المساحة الأكبر من العملية التعليمية. ولو افترضنا أن الطالب يحضر إلى المدرسة من الثامنة صباحًا حتى الثانية عشرة ظهرًا، وأراها كافية جدًا، فإن الجزء الأكبر من هذا الوقت يجب أن يُستثمر في تعليم مهارات الحياة قبل أي شيء آخر.
يجب أن يتعلم الطالب معنى الأمانة عمليًا لا نظريًا فقط، وأن يتعلم احترام النظام بالممارسة اليومية، وأن يفهم قيمة العمل الجماعي من خلال التجربة، وأن يشارك في خدمة المجتمع، وأن يتدرب على تحمل المسؤولية، وأن يتعلم كيف يحافظ على البيئة من حوله.
أحيانًا قد يكون درس واحد في الأخلاق والسلوك أكثر أثرًا من عشرات الدروس النظرية. فأن يرى الطالب شجرة مقيدة بطريقة تؤذيها فيبادر إلى تحريرها، أو أن يساعد كبيرًا في السن على عبور الطريق، أو أن يحافظ على نظافة المكان الذي يجلس فيه، أو أن يعترف بخطئه عندما يخطئ، فهذه كلها مؤشرات على نجاح التعليم أكثر من أي درجة مكتوبة على ورقة امتحان.
لقد نجحت أمم كثيرة؛ لأنها لم تكتفِ بتعليم القراءة والكتابة والحساب، بل ركزت على بناء الإنسان أولًا. وعندما بُني الإنسان جاءت العلوم والصناعات والابتكارات تباعًا. أما عندما نهتم بالمعلومة ونُهمل السلوك، فإننا قد ننتج أفرادًا يحملون أعلى الشهادات، لكنهم يعجزون عن بناء مجتمع متماسك ومتقدم.
إن القضية ليست في عدد المدارس، ولا في حجم المباني، ولا في كثرة المناهج، بل في وضوح الرؤية. ماذا نريد أن نصنع من هذا الطالب بعد سنوات الدراسة الطويلة؟ ولهذا أعود إلى السؤال الذي بدأنا به: متى سنبدأ التعلّم؟ ولا أقصد التعلّم بمعناه التقليدي، بل التعلّم الذي يصنع الإنسان قبل أن يصنع الموظف، ويبني الأخلاق قبل أن يبني المهنة، ويغرس المسؤولية قبل أن يمنح الشهادة.
وعندما نصل إلى هذه المرحلة فقط، نستطيع أن نقول إننا بدأنا فعلًا طريق إصلاح التعليم الحقيقي؛ ذلك الإصلاح الذي يجيب عن السؤال الأول ويصنع، في الوقت نفسه، المجتمع الذي نحلم به؛ فالتعليم والمجتمع يؤثر كل منهما في الآخر، لكن البداية يجب أن تكون من مدرسة تبني الإنسان قبل أي شيء. وهذه هي الحقيقة الأساسية: لا إصلاح للمجتمع من دون إصلاح التعليم، ولا إصلاح للتعليم من دون بناء الإنسان.
