خالد بن سالم الغساني
تبقى فلسطين القضية المركزية الأولى، مهما تعاقبت الأزمات، وتوالت الحروب، وتزاحمت القضايا على أجندة السياسة الدولية؛ فهي قضية شعب يسعى إلى استعادة أرضه وحريته، وقضية تختبر ضمير العالم، وتقيس صدقية المبادئ التي قامت عليها منظومة القانون الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وكلما حاولت الأحداث المتلاحقة أن تدفعها إلى الهامش، أعادتها المأساة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون إلى قلب المشهد، لتؤكد أن الحقوق لا تسقط بتقادم الزمن، وأن العدالة لا تفقد مشروعيتها مهما طال انتظارها.
ولعل ما يميز القضية الفلسطينية أنها تجاوزت حدود كونها قضية سياسية أو إقليمية، لتغدو قضية أخلاقية وإنسانية عالمية، لأن ما يجري فيها يمس القيم التي يدّعي المجتمع الدولي أنه قام لحمايتها. وقد جاءت الحرب على قطاع غزة لتضع هذه الحقيقة أمام العالم بصورة غير مسبوقة؛ فالمأساة أصبحت تُبث مباشرة أمام أنظار البشرية، ولم يعد أحد يستطيع الادعاء بأنه لا يعلم ما يجري. ومع ذلك، بقي السؤال الأكبر معلقًا: لماذا لم يتحول هذا الوعي العالمي إلى موقف قادر على وقف المأساة، وإنصاف الضحية، وإعلاء القانون فوق اعتبارات القوة والمصالح؟
من هنا نبدأ، لا لنبحث في قدرة الفلسطينيين على الصمود، فقد أثبتوا ذلك على مدى عقود طويلة، وإنما لنتساءل عن العالم نفسه: متى يصبح هذا الصمود الاستثنائي قوةً أخلاقية تدفع الإنسانية إلى الانتقال من التعاطف إلى المسؤولية، ومن الإدانة إلى الفعل، ومن مراقبة المأساة إلى الإسهام في إنهائها؟
لقد سجَّل الشعب الفلسطيني، منذ بداية الاحتلال، واحدة من أطول تجارب الصمود في التاريخ المعاصر، مُتمسِّكًا بأرضه وهويته وحقه في الحرية والعودة، رغم عقود من الاقتلاع والحروب والحصار. وجاء ما شهده قطاع غزة خلال أكثر من عامين من الحرب والدمار ليجسد الامتداد الأشد قسوة لهذه المسيرة، حيث واجه شعب بأكمله واحدة من أعنف الحروب في العصر الحديث، متمسكًا بحقه في الحياة والكرامة، رغم اختلال غير مسبوق في موازين القوة، وما يحظى به الاحتلال الإسرائيلي من دعم عسكري وسياسي وإعلامي واسع.
لقد استهدف الاحتلال الإسرائيلي الأحياء السكنية، والمدارس، والمستشفيات، ودور العبادة، والبنية الأساسية، ولم يسلم من نيران الحرب طفل أو امرأة أو شيخ، كما لم تسلم مصادر المياه والغذاء والدواء والوقود، في مشهد إنساني بالغ القسوة. ولم يكن الهدف تدمير المباني وحدها، وإنما كسر إرادة المجتمع الفلسطيني، ودفعه إلى الاستسلام تحت وطأة المعاناة اليومية.
غير أن النتيجة جاءت على خلاف ما أراده الاحتلال. فكلما اتسعت دائرة الدمار، ازداد الفلسطيني تمسكًا بأرضه وحقه في الحياة. ولم يتحول الحصار إلى استسلام، ولا القصف إلى يأس، بل أصبح الصمود جزءًا من الحياة اليومية، وتحولت القدرة على البقاء إلى رسالة سياسية وأخلاقية تؤكد أن الشعوب التي تؤمن بحقها في الحرية لا تُهزم بالتفوق العسكري. ومن هنا أصبحت المقاومة تعبيرًا عن إرادة شعب يرفض التخلي عن وجوده وكرامته ومستقبله.
لكن الحرب على غزة كشفت حقيقة تتجاوز حدود فلسطين نفسها؛ فلم يعد السؤال مقتصرًا على ما يستطيع الاحتلال أن يفعله، بل على ما يختار العالم أن يفعله. فقد وضعت هذه الحرب النظام الدولي أمام اختبار غير مسبوق، وكشفت حجم التناقض بين المبادئ التي يرفعها وممارساته على أرض الواقع. ففي الوقت الذي تتحدث فيه دول كبرى عن حقوق الإنسان وسيادة القانون، استمرت في تقديم أشكال مختلفة من الدعم السياسي والعسكري للاحتلال، أو اكتفت بمواقف لم ترتق إلى مستوى الكارثة الإنسانية.
ولم يعد العالم يجهل ما يجري، ولم تعد الجرائم تُرتكب بعيدًا عن أعين الرأي العام، بل أصبحت تُنقل لحظة بلحظة بالصوت والصورة. ومع ذلك، ظل الانتقال من المعرفة إلى الفعل، ومن الإدانة إلى المحاسبة، ومن التعاطف إلى القرار السياسي، الحلقة الأضعف في الموقف الدولي. وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ لأن المشكلة لم تعد نقصًا في الوعي أو غيابًا للمعلومة، وإنما الإصرار على استمرار غلبة المصالح السياسية على المبادئ التي يعلن المجتمع الدولي التزامه بها.
وفي مقابل هذا العجز الرسمي، برز مشهد آخر لا يقل أهمية، تمثل في اتساع حركة التضامن الشعبي في مختلف أنحاء العالم. فقد خرجت الملايين في العواصم العالمية، وامتلأت الجامعات والنقابات والساحات العامة بالأصوات المطالبة بوقف الحرب، وإنهاء الحصار، واحترام القانون الدولي. كما تجسَّدت هذه الصحوة الإنسانية في المبادرات الشعبية، وقوافل الإغاثة، وحملات المقاطعة، والجهود الرامية إلى كسر الحصار، في واحدة من أوسع موجات التضامن التي عرفها العالم مع القضية الفلسطينية.
وتحوَّلت فلسطين، في ضوء هذه التطورات، إلى قضية ضمير إنساني عالمي، لأنها تمس المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام الدولي. وأصبح الدفاع عنها دفاعًا عن قيم العدالة والحرية وحقوق الإنسان، ورفض العقاب الجماعي، وحماية المدنيين، وهي المبادئ التي يفقد العالم جزءًا من مصداقيته كلما عجز عن تطبيقها بصورة متساوية.
أصبحت فلسطين اليوم مرآةً تعكس حقيقة النظام الدولي، وتكشف الفارق بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية. وكل يوم يصمد فيه الفلسطيني، رغم القصف والحصار والحرمان، يوجّه إلى العالم سؤالًا جديدًا حول معنى العدالة، وحدود المسؤولية الأخلاقية، وقيمة القانون عندما يخضع لموازين القوة. ولذلك غدا صمود الفلسطينيين اختبارًا يوميًا لضمير الإنسانية بأسرها.
ولهذا يبقى السؤال الذي يطرحه عنوان هذا المقال مفتوحًا وموجهًا إلى العالم، لا إلى فلسطين؛ فالإنسانية أصبحت اليوم أمام اختبار تاريخي؛ فإما أن تنتصر المبادئ التي قامت عليها منظومة القانون الدولي، وإما أن يتحول الصمت عن هذه المأساة إلى سابقة تقوض الثقة بتلك المنظومة، وتضعف الإيمان بعدالتها وجدواها.
وفوق كل ذلك، قد تتأخر العدالة، وقد يطول أمد المعاناة، لكن الشعوب التي تتمسك بحقها في الحياة والكرامة لا تُهزم بإرادة السلاح وحدها. وسيظل صمود الفلسطينيين شاهدًا على أنَّ القوة قد تفرض واقعًا مؤقتًا، لكنها لا تستطيع أن تنتزع حقًا، ولا أن تطفئ إرادة شعب آمن بحريته، كما سيبقى سؤال فلسطين موجَّهًا إلى الضمير الإنساني، حتى يجد العالم الشجاعة الأخلاقية التي تجعله ينتصر للمبادئ التي أعلنها، قبل أن ينتصر لفلسطين.
